بعد تخصيصنا لمقالين عن التجربة الجزائرية، سنتوقف هنا عند التجربة التونسية حيث غياب المؤسسة العسكرية كمحدد لنظامي بورقيبة وبن علي السياسيين خلافاً للجارة الجزائر. ففي تونس قام بورقيبة، خلال العقود الثلاثة من حكمه السلطوي، بتطبيق برنامج تدريجي للتنمية الاقتصادية، اقترن بطابع مؤسساتي استبدادي عميق، تم تطويره وتعزيزه من قبل خلفه في المنصب، الذي على رغم حرصه على استبدال بعض الآليات البورقيبية المنتجة للاستبداد، فقد أنشأ آليات أخرى أكثر تعقيداً، حافظت على جميع وسائل النظام القائم منذ استقلال البلاد في سنة 1956. والسؤال المطروح هنا هو عما إذا كانت في تاريخ تونس ما بعد الاستقلال، أية محاولة لإبرام ميثاق تعاقدي سياسي بالمعنى الذي بيناه في المقالات السابقة؟ سيكون الجواب بالطبع: لا. فالمرة الوحيدة التي بدا فيها النظام متخذاً هذا الطريق كانت عقب وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة. وبعد مرور عام على إقالة بورقيبة، تحدث «الزعيم» عن الميثاق التعاقدي الوطني وعن مدونة حسن السلوك بين المعارضة الشرعية والحكومة، ولكن هذا الاتفاق التعاقدي لم تكن له أية علاقة بالتعريف الذي أعطي له من طرف فقهاء السياسة. وإذا كان الميثاق التعاقدي الذي وضع في الجزائر أواخر الثمانينيات، قد أعطى، فرصة ممكنة لإرساء القواعد الديمقراطية، فلا شيء من هذا القبيل كان ممكناً في إطار السلطوية التونسية. لقد كان هناك بالفعل انفتاح محتشم بعد الإطاحة ببورقيبة، لكن يجب وضعه في الإطار الخاص به لفهم نطاقه وحدوده. فمن المنطقي، في مرحلة من الشك واللايقين، أن يهتم بن علي، وهو الخبير بالمسائل الأمنية والمناورات السياسية، بإرساء دعائم سلطته، وهذا ما شجعه على أن يقول عند وصوله إلى السلطة في 7 نوفمبر 1987 وبنوع من السخرية، إن الأمة التونسية «ناضجة لإرساء حياة ديمقراطية متطورة»، ولكن الأفعال داخل المجال السياسي العام كانت تسير عكس ذلك ليقصى جميع الفاعلين السياسيين منه ويزج ببعضهم في السجون أو يشردوا إلى المنفى في الدول الأوروبية. فخلَف بورقيبة في السنتين الأوليين من الحكم كان يبوح، بل يعتز بأدبيات الديمقراطية الحديثة، لكي لا يفقد شرعيته. وكان عليه تبني مؤشرات جيدة لكي تظهر «الإطاحة ببورقيبة» في عيون جميع التونسيين، كعمل من أعمال الخلاص للخاص والعام، وليعزز موقفه «كزعيم» أعلى بدون منازع. ثم إن الميثاق التعاقدي لم يكن من صنع مجموعة من الفاعلين الراغبين في «تعريف أو إعادة تعريف القواعد التي تحكم ممارسة السلطة على أساس من الضمانات المتبادلة للمصالح الحيوية لكل طرف»، وإنما كان ذلك من صنع بن علي لوحده لإضفاء صبغة الشرعية على استيلائه على السلطة، وليكون الاتفاق في الواقع «إعادة انتشار سلطوي» سعى من خلاله بن علي إلى تعزيز سلطته. وستتجسد نوعية هذا النظام السلطوي خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية في 2 أبريل 1989، حيث سيتم دفن الميثاق التعاقدي الوطني المزعوم، المصادق عليه من طرف مختلف التوجهات السياسية بما في ذلك الإسلاميون. وليس من المستغرب أن ينهار هذا الاتفاق التعاقدي بمجرد وضع دعائم الجمهورية الثانية. وقد استفاد رجال 7 نوفمبر عند وصولهم إلى قصر قرطاج من وضع اجتماعي وسياسي كارثي في البلاد. ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد فقط على هذا المعطى لتحديد الاستقرار الذي تمتع به النظام الجديد وهزيمة الحركة الشعبية التي رافقت مجيء بن علي، فالدولة التسلطية في عهد بن علي، بدت في كثير من النواحي، كتركة لبورقيبة. وعلى رغم أن تونس كانت في أزمة، فقد واصلت أدوات بورقيبة الاستبدادية حضورها، ودورها في عرقلة تطوير مجال سياسي مستقل، كما ورث عهد بن علي أيضاً نخبة سياسية ضعيفة وغير قادرة على قيادة العمل السياسي الجماعي، فتم تعديل الجهاز الحزبي ليكون متوافقاً مع أوامر الرئيس وليصبح حزبه أي التجمع الدستوري الديمقراطي حزباً مهيمناً. وفي غياب اتفاق تعاقدي سياسي كما هو الحال في المغرب، سيُميت الرئيس التونسي أمور السياسة وأمور الحكم وأمور الاقتصاد والدولة بأسرها، فتلاشت هيبته وشرعيته، وعجز عن المدافعة عن نفسه بما خضد الغلب من شوكته، فأصبح مغلّباً لكل متغلب، وطعمة لكل آكل. لقد فجر الشباب التونسيون (40 في المئة من السكان تقل أعمارهم عن 25 عاماً) كل سخطهم بعد تضحية محمد البوعزيزي، وهو بائع متجول فقد حمولة عربته بعد صفعه من قبل امرأة عاملة وممثلة للدولة البوليسية العميقة... وشكل هذا انتهاكاً لشرفه وتعبيراً عن استياء جماعي.... وللعلم فهكذا بعض الثورات في تاريخ الشعوب، فعندما يعاني الناس من الإذعان الاضطراري للقوة العمياء التي تمارسها نظم استبدادية، تكفيهم مسببات بسيطة ليأتوا على الأخضر واليابس... ولهذا اندلعت ابتداء من 19 ديسمبر 2010 اشتباكات بين الشرطة وشباب مدينة سيدي بوزيد والمدن الصغيرة حولها، لتتوالى الأحداث بعد ذلك في جميع أنحاء البلاد. وبمرور الأيام، سينخرط الكبار والآباء والأجداد الغاضبون من سنوات الحرمان في الاحتجاجات ويعملون على تضخيمها. وسيصطف المجتمع بأسره خلف التمرد لينهار النظام في سقوط مطلق، وليبدو أصحابه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. إن هذا البلد على رغم ساكنته القليلة مقارنة مع الجزائر والمغرب، لم يعرف في تاريخه ميثاقاً تعاقدياً سياسياً بين النخبة السياسية الحاكمة والنخبة السياسية في المعارضة وكان بالإمكان القيام بذلك لو أوتي بن علي الحكمة... فالمجال السياسي العام كان مقيداً، ولم يكن النظام يملك شيئاً لإعادة توزيعه لا على الطبقة الفقيرة ولا المتوسطة، أي أنه لم يكن هناك خبز ولا حرية. فعملت شرارة صغيرة على إشعال النار في الهشيم، فكانت الثورة.