ليس بالخفي على كثيرين أن معظم شعوب ودول العالم يجتاحها حالياً وباء من زيادة الوزن والسمنة، وليس بالخفي أيضاً أن جزءاً كبيراً من ضحايا هذا الوباء هم من الأطفال، حيث تشير التقديرات إلى إصابة عشرات الملايين من الأطفال حول العالم بزيادة الوزن والسمنة في مختلف المراحل العمرية، بما في ذلك مَن هم دون سن الخامسة، وقد قدرت إحدى الدراسات أن عدد المصابين بالسمنة في هذه الفئة العمرية فقط، يزيد حالياً عن 42 مليون طفل. وعلى رغم أن الأسباب الرئيسية خلف إصابة هذا العدد الهائل من الأطفال بالسمنة معروفة، وعلى وجه الخصوص الإفراط في تناول الأطعمة مرتفعة المحتوى من السعرات الحرارية كالدهون والسكريات، بالإضافة إلى تراجع كمية ومقدار الحركة والنشاط البدني، إلا أن الصورة التفصيلية والبيانات الدقيقة المتعلقة بهذه الأسباب كانت إلى حد كبير تعتمد حتى الآن على التقديرات، وخصوصاً على صعيد مقدار تراجع النشاط البدني. وهذا الوضع شرعت في تغييره، مجموعة من علماء معهد صحة الطفل التابع لإحدى الجامعات العريقة بالعاصمة البريطانية لندن، من خلال دراسة موسعة شملت 6500 طفل، على مدار عامين، تمت مراقبة نشاطهم البدني من خلال أجهزة خاصة (، يرتديها الطفل على المعصم، وتخلع فقط وقت النوم أو الاستحمام، وتقوم بقياس فترة وشدة النشاط البدني أو الرياضي طوال ساعات اليوم. وخلصت هذه الدراسة الفريدة من نوعها، التي نشرت نتائجها في العدد الأخير من إحدى الدوريات الطبية المرموقة، إلى أن نصف الأطفال البريطانيين في سن السابعة، لا يمارسون الحد الأدنى من النشاط البدني أو الرياضي، المقدر بساعة يومياً على الأقل. كما أن البنات كن أقل نشاطاً بقدر ملحوظ من الصبية، ففي الوقت الذي كان فيه 63 في المئة، أي اثنان من كل ثلاثة من الذكور يمارسون القدر الأدنى من النشاط البدني يومياً، انخفضت هذه النسبة بين الإناث إلى 38 في المئة، أي تقريباً واحدة فقط من بين كل ثلاث. وبوجه عام، قضى نصف الأطفال المدرجين في الدراسة، متوسط ست ساعات يومياً بدون حراك بالمرة، وإن كان جزء من هذا الوقت كان أثناء تواجدهم على مقاعد الدراسة. كما لاحظ الباحثون أيضاً تبايناً ملحوظاً في حجم النشاط البدني، بناء على عوامل اجتماعية وثقافية عدة، حيث كان مثلاً الأطفال ذوو الأصول الهندية، أو القاطنون لإيرلندا الشمالية، هم الأقل نشاطاً على الإطلاق مقارنة بأقرانهم ذوي الأصول العرقية الأخرى، أو القاطنين في اسكتلندا. وعلى رغم أن نتائج هذه الدراسة كانت شبه موثقة مسبقاً، إلا أنها سببت نوعاً من الصدمة، نتيجة تأكيدها على الخطورة والعمق الذي وصل إليه فقدان النشاط البدني بين الأطفال. فالمفروض أن أفراد هذه المرحلة العمرية، يتمتعون بأكبر قدر من النشاط والحيوية والحركة، بين مراحل حياة الإنسان المختلفة، فإذا ما كان نصفهم لا يمارس القدر الأدنى من النشاط البدني والرياضي، فما هو المتوقع منهم في المراحل اللاحقة من حياتهم؟ وما هي التبعات الصحية، والاقتصادية، الناتجة عن تنشئة جيل من الكسالى، الفاقدين للرغبة في الحركة والنشاط، منذ طفولتهم؟ وإن كان السؤال الأهم، هو كيف يمكن للآباء أن يزيدوا من مقدار نشاط وحركة أبنائهم بشكل يومي؟ وخصوصاً في ظل وجود عوامل ترفيه أخرى مسليّة، لا تتطلب إلا تحريك أصابع اليدين فقط، كما هو الحال مع أجهزة ألعاب الفيديو، و«الآيباد»، والكمبيوتر، أو ربما حتى تحريك المقلتين فقط، كما هو الحال مع أجهزة التلفزيون، التي تبث مئات القنوات، على مدار الأربع والعشرين ساعة. وإجابة هذا السؤال تتمثل في اعتماد استراتيجية متعددة الجوانب والنقاط؛ مثل أن يكون الأبوان نفساهما مثالاً يحتذى به للحركة وممارسة النشاط البدني والرياضي، حيث لا يمكن أن نتوقع أن يستجيب الطفل لنصائح وإرشادات الأبوين بممارسة الرياضة، أو حتى تهديدهما ووعيدها، إذا ما كان يرى أنهما يقضيان الأيام والأسابيع دون أي قدر من النشاط الرياضي. والنقطة الثانية ربما تكون ضرورة تمييز رياضة أو لعبة بدنية يستهويها الطفل، ومن ثم تسهيل ممارسته لها. فإذا كانت السباحة هوايته، فيمكن إشراكه في نادٍ يوجد به حمام سباحة، أو شراء دراجة هوائية له إذا كان ركوب الدراجات من شغفه. ويمكن أيضاً للعائلات المختلفة أن تتفق على جمع أطفالها في مكان واحد بشكل منتظم، فوجود الأطفال مع بعضهم بعضاً يشجعهم على اللعب والتدافع والمنافسة. وحتى بعض أجهزة ألعاب الفيديو المتخصصة، منها ما يسمح للطفل حالياً بممارسة الرياضة، بشكل افتراضي، وقد تكون هذه الفكرة اختياراً جيداً في الأوقات التي لا تسمح فيها حرارة الجو بممارسة اللعب خارج المنزل، أو أن يكون يوم الطفل مثقلاً بالواجبات المدرسية، بشكل لا يسمح له بلقاء أصدقائه. والخلاصة هي ضرورة إدراك الآباء أن عدم ممارسة أطفالهم للرياضة وللنشاط البدني، هو قنبلة زمنية موقوتة، تهدد مستقبلهم الصحي، وتتوعدهم بطائفة من الأمراض المزمنة والخطيرة في المراحل اللاحقة من حياتهم، ولذا يجب على كل أسرة أن تخصص الوقت، وما هو متاح من مصادر، لحث وتشجيع أبنائها على ممارسة النشاط البدني، وربما بنفس القدر الذي يخصص فيه الوقت والمصادر، لحثهم وتشجيعهم على التحصيل الدراسي والتفوق الأكاديمي.