قرأنا هذه الأيام مقالات متتالية تتهجم على شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في سياق التجاذبات التي تعيشها الساحة المصرية أثر الانتفاضة الشعبية، التي أطاحت بدعم من الجيش بحكم جماعة "الإخوان المسلمين". ورغم أن الرجل بذل كامل الجهد لتقريب وجهات النظر وتسوية الخلافات بين القوى السياسية المتصارعة، وعمل ما بوسعه من محاولة لحفظ السلم الأهلي، وهي الأدوار المطلوبة من القائم على هذه المؤسسة العتيدة، إلا أنه كان هدفاً لحملة ظالمة شرسة، تجاوزت شخصه ومركزه للتهجم على المؤسسة الدينية التقليدية وتحميلها كل مآسي الأمة والدين ونعتها بالقلعة الجامدة الحامية للاستبداد. ليست هذه النغمة بالجديدة، بل هي مألوفة في خطاب تيارات الإسلام السياسي منذ نشأة "جماعة الإخوان المسلمين" في نهاية عشرينيات القرن الماضي. والمعروف أن الفقهاء التقليديين وعلماء الأزهر أحجموا في غالبيتهم المطلقة عن الانضمام للحركة الجديدة واعتبروها نشازاً وابتداعاً في الحقل الديني. اشتهر في هذا الأمر لقاء العلامة "يوسف الدجوي" أحد كبار علماء الأزهر بمؤسس. الجماعة "حسن البنا"، وقد نصح الفقيه الكبير الشاب المتحمس بالتخلي عن مشروعه السياسي الذي اعتبر أنه مفسدة للدين المحفوظ بعناية الله. وفشلت محاولات تقرب البنا من شيخ الأزهر "محمد مصطفى المراغي" الفقيه الإصلاحي الكبير الذي كان مقرباً من "الإمام محمد عبده"ومتأثراً بمشروعه الإصلاحي (أرسل له البنا رسالة مفتوحة يقترح فيها خطة كاملة لتعديل مناهج وأساليب التدريس في الأزهر). ولم تكن علاقة الجماعة أحسن ببقية شيوخ الأزهر وعلمائه وبصفة خاصة "مصطفى عبد الرازق" و"محمود شلتوت" و"عبد الحليم محمود"، الذين وقفوا بقوة ضد مشروع "تسييس الدين" وأدلجته. حمل خطاب التيار الإسلامي على المؤسسة الدينية التقليدية من حيث تركيبتها ومنزلتها الاجتماعية وتقاليدها المعرفية والتربوية من عدة أوجه: أولها: اعتبارها مسؤولة عن "انحطاط" الدين وجموده، في مقابل ما تدعيه حركة الإسلام السياسي من نزوع إصلاحي تجديدي تمحور حول صياغة رؤية إسلامية للنظام السياسي والقانوني للدولة الحديثة. لم يعن نشطاء التيار الإسلامي بحركية التجديد الفقهي ومحاولات إعادة بناء أصول الدين والفقيه، التي انطلقت مع الإصلاحية الإسلامية الحديثة، بل حاربوها في بعض الأحيان، ونعتوا رموزها بالماسونية والعمالة للاستعمار. ثانيها: الموقف الحذر والمعادي أحيانا للمذهب من منطلق تصور أحادي تجانسي للشريعة في مقابل التراث الاختلافي للأمة. وعلى الرغم أن هذا الموقف متأثر بالمقاربة السلفية التقليدية، فإنه في الواقع يعكس توجهاً مغايراً يندرج في سياق "الحداثة الملتبسة" للخطاب الإسلامي الراديكالي. نشير هنا إلى أن الكتاب الفقهي المعتمد لدى جماعة "الإخوان" والتيار الإسلامي إجمالًا هو كتاب "فقه السُنة" لسيد سابق الذي لم يلتزم فيه مذهباً فقهيا بعينه. ثالثها: اعتبار المؤسسة الدينية دعامة للاستبداد السياسي وتحميل الفقه التقليدي (الأحكام السلطانية) مسؤولية في تثبيت صورة الحاكم المطلق، الذي لا يجوز الخروج عليه، في مقابل النظرية الإسلامية الجديدة القائمة على شرعية تطبيق الشرعية ومفهوم الحاكمية الإلهية. إنما تعكسه هذه المواقف النقدية من المؤسسة الدينية التقليدية، هو أكثر من مجرد تباين في المقاربة المنهجية أو التأويلية داخل نسق واحد، بل هو انتقال كامل من نموذج ديني إلى نموذج آخر. يعبر انبثاق التيار الإسلامي عن حالة قطيعة داخل الحقل الديني بانفصام الخطاب الأيديولوجي الجديد عن النسق الثقافي الحاضن للمضامين التأويلية للإسلام في تنوعها واختلافها الناتج عن تباين سياقات التدين الاجتماعية والتاريخية. ما تعبر عنه فكرة الهوية الإسلامية مقوم انتماء ومرجعية تصور هو التبشير بإسلام لا تاريخي فقير في مضامينه المعرفية، وهش في بنياته المؤسسية، من حيث نزوعه لتماه مستحيل مع "الأصول الأصلية" للإسلام هو في الواقع أثر لما يمكن أن نطلق عليه بلغة هيغلية "مكر الحداثة" بمعنى الانخراط غير الواعي في منطقها ورهاناتها. يفضي النزوع الانفصامي مع التقليد الثقافي إلى أن يتحول الدين إلى أيديولوجيا تؤدي وظيفة عملية إجرائية في الحقل الاجتماعي انسجاماً مع أحد المحددات الرئيسية للحداثة في تحويلها الخطاب إلى ضرب من التمثل يؤطر الوعي الفردي والجماعي. وعلى عكس الصورة السائدة في أدبيات الإسلام السياسي ليس التقليد التراثي عائقاً أمام التجديد والاجتهاد، بل إن المدونة التراثية في اختلافيتها وثرائها وتعدد مناهجها توفر إمكانات تأويل كثيفة، في حين لا يمكن للخطاب الأيديولوجي في مسلكه التعبوي التحشيدي أن ينتج مادة معرفية رصينة. الدليل الواضح على صدق هذا الحكم هو عجز تيار الإسلام السياسي منذ نشأته عن تقديم أي إبداع جوهري في العلوم والشرعية. وقد طرحت هذه الملاحظة على أحد كبار فقهاء العصر الراهن، فأجابني أن السبب هو أن صناعة الفقه لا تستقيم مع فكرة الدولة المحتكرة للتشريع التي هي فكرة غربية حديثة، وليست أطروحة إسلامية أصيلة باعتبار أن الفقيه في استقلاليته عن السلطة هو المتمتع بأهلية التشريع والفتوى لا الحاكم. كما أن تفسير التركة الاستبدادية للمجتمعات المسلمة بدور المؤسسة الدينية التقليدية المكرسة لعقيدة الطاعة العمياء للحاكم ليس دقيقاً، لأن العدل يشكل محور الرؤية الإسلامية الوسيطة للسلطة. وليس في التراث الإسلامي السُني أي تأسيس عقدي لعصمة الإمامة ولا للشرعية الدينية للدولة بمعنى تجسيدها الموضوعي والتاريخي للدين. إنما ركزت عليه أدبيات السياسة الشرعية والأحكام السلطانية هو مبدأ حفظ السلم الأهلي واتقاء الفتنة المدمرة للكيان الجماعي مما يفسر ضرورة بالطابع الدموي العنيف للتاريخ السياسي الإسلامي. لم تجد المؤسسة الدينية التقليدية مصاعب في تبني مدونة حقوق الإنسان الحديثة ومرجعيات الدولة المدنية الديمقراطية من علماء الأزهر والقرويين والزيتونة... (محمد عبده وعلال الفاسي والطاهر بن عاشور...)، وهو ما تؤكده وثيقة الأزهر الأخيرة حول الدولة المدنية التي حظيت بإجماع القوى الحداثية والليبرالية المصرية. ليست المؤسسة الدينية التقليدية عائق التجديد والإبداع في الإسلام الحاضر وإنما الأيديولوجيا الإسلامية هي العائق الجذري دون إصلاح الدين وتجديده.