يستغرب بعض المتابعين من حجم العنف والدموية التي قامت بها جماعة "الإخوان المسلمين" بمصر بعدما جرى في 30 يونيو، فَجِعَ البعض بالأسلحة والذخائر وإطلاق النار على الشرطة والجيش وعامة الناس، وتناقلت وسائل الإعلام صور الضرب والسحل والعنف التي كان يقوم بها عناصر "الإخوان المسلمين" وضحاياها عساكر ومدنيون مصريون، وكان من أكثرها فجيعةً قتل خمسةٍ وعشرين عسكرياً من الجيش في سيناء، ولكن هذا ليس مستغرباً لمن يعرف تاريخ الجماعة وآيديولوجيتها وطبيعة التربية التي تنشأ عليها كوادرها. قدّم كاتب هذه السطور في مقالة الأسبوع الماضي في هذه المساحة عرضاً سريعاً لتاريخ الجماعة الدموي وأسماء عددٍ ممن قتلتهم واغتالتهم كما تمّ استعراض موقف الجماعة من الانقلابات العسكرية وثبت بالوقائع والتواريخ أنها ضليعة بترتيب الانقلابات العسكرية ولم تزل. يختلف كثير من الباحثين في إيجاد الفوارق التي يمكن أن تميز جماعة "الإخوان المسلمين" عن غيرها من تيارات الإسلام السياسي أو العنف الديني التي خرجت من عباءتها، والتفتيش عن الفوارق في هذا السياق لا يقل قيمةً وفائدةً في رسم الصورة العامة عن رصد المتشابهات، وفي النهاية تحكم كل باحثٍ عدة معايير منها المنهج الذي يتبعه والمعايير التي يضعها والأهداف التي يريد الوصول إليها. في هذا المقال، أودّ تسليط الضوء على خصلة تميّز جماعة "الإخوان المسلمين" عن غيرها من التيارات والطوائف والجماعات في التاريخ الإسلامي وفي العصور الحديثة، ألا وهي صفة "الغدر" لا بمعنى التصرف الفردي فحسب، بل بمعنى بناء جماعة منظمة تقوم على الغدر، وبناء منظومة دينية وسياسية وتربوية تشرّع الغدر وتحث عليه وتحتفي به، وكيف أن هذه الجماعة المنظمة والمنظومة، قد أدت إلى تحويل الغدر لوقائع وأحداث عبر الاغتيالات والتفجيرات. الغدر في التاريخ والواقع وفي حياة البشر يختلف عن الذكاء والفطنة، ويختلف عن الوعي والقيادة ويختلف عن الحرب والقتال، إنه مفهوم يكتنز دلالات سيئة تعبر عنها مفردات مثل الخسة والوضاعة والطعن في الظهر والجبن ونحوها من المفردات التي ينضح بها هذا المفهوم. قبل الدخول في تفاصيل أكثر لا بدّ من التمييز بين استخدامات العنف، فالعنف حين يعتمده الأفراد لأخذ ما يريدون بقوتهم الذاتية دون القانون هو جريمةٌ وقد يكون غدراً وقد لا يكون، والعنف حين تستخدمه الدولة ليس غدراً، ففي الصراع المسلح مع الأعداء يعتبر حرباً، وحين تستخدمه الدولة ضد مثيري الشغب ومشعلي الفتن فهو حق مشروع للدولة، والعنف المنظم كالذي اعتمدته جماعة "الإخوان المسلمين" هو عنف من شروطه أن يقوم على اعتماد "الغدر" إما ضد شخصياتٍ عبر الاغتيالات أو ضد مجموعات أو تيارات مخالفة عبر التفجيرات التي يقتل فيها مدنيون، والغدر كما أنه مصطلحٌ يكتنز الخسة والدناءة فهو يقوم كذلك على الاحتيال والكذب والخداع، وتتم ممارسته اعتماداً على الاختلاط بعامة الناس والتماهي معهم بينما يكون مبنياً في الأساس على خططٍ لئيمة لتنفيذ أجندة سرية تخدم أهدافاً سياسيةً عبر العنف والغدر. في التراث الإسلامي، فإن أقرب الجماعات التي استخدمت الغدر كآليةٍ للصراع السياسي هي جماعة "الحشاشين" وهي جماعة باطنية منشقة عن الإسماعيلية أنشأها الحسن بن الصبّاح وتقوم على تدريب فدائيين يتغلغلون في حاشية خصومه السياسيين ويقومون بعمليات اغتيال وغدر بمن يعملون لديهم ويكسبون ثقتهم. منذ عرفت جماعة "الإخوان" وهي قائمة على الغدر، تتحالف فتغدر، تتقارب فتغدر، تتصارع فتغدر، وهو ما ورثته عنها جماعات العنف الديني منذ السبيعينيات مروراً بالتسعينيات وصولاً إلى اليوم. إن تدبير عمليات الاغتيال غدرٌ، وتدبير التفجيرات غدرٌ، إن عمليات تنظيم "القاعدة" الابن الطبيعي لجماعة الإخوان كلها مبنية على الغدر. إن الغدر أمرٌ تشمئز منه النفوس السوية، وتتأبى عليه الأرواح النقية، تحرّمه الأديان وترفضه الثقافات الإنسانية عموماً، وهو ضمن الشرور ومساؤي الأخلاق على الدوام. لقد قام الإخوان المسلمون بإنشاء ورشةٍ كبرى لبناء منهجيةٍ نظرية وتطبيقية لتشريع الغدر، لقد أعادوا نبش التراث الديني واستخرجوا منه بحسب مرادهم كل شاردةٍ وواردةٍ في تشريع الغدر، واستعانوا بكل الآيديولوجيات المعاصرة من نازية وفاشية وبلشفية لتحويله لقائدٍ وملهمٍ لهم. وتطبيقياً فالكل يعلم مدى الغدر الذي صنعه الإخوان في كل عمليات العنف والدماء والانقلابات العسكرية التي دبروا وصنعوا. الحركات السلفية التقليدية كالوهابية تفترق عن الإخوان بهذا الفارق فهي حركاتٌ مقاتلة شرسة وربما كان في خطاب بعضها تشددٌ قل أم كثر ولكنها لا تعتمد الغدر مبدأً ولا تتحرك على أساسه فالوهابيون مثلاً كانوا مقاتلين أشداء ولكنّهم لا يغدرون. الغدر وتشريعه بدأ مع الإخوان. هذا في الحركات السلفية التقليدية أما السلفيات الجديدة والمعاصرة فكثيرٌ منها تأثر بخطاب منظومة الغدر الإخوانية، كالسلفية السياسية بتفرعاتها والسلفية الجهادية التي تنضوي تحت لوائها حركات العنف الديني في السبعينيات والتسعينيات في مصر، ويمثل تنظيم القاعدة بكل جرائمه في العالم أجمع والعالم الإسلامي الاستمرار الطبيعي لذلك الخطاب الإخواني الذي شرّع الغدر واعتمده منهجاً. ومن المفارقات أن نجد سلفياً متشدداً انتهك أقدس الحرمات في الحرم المكي الشريف 1979 ينعى على الإخوان المسلمين تبنيهم للغدر، فهو يتحدث عن الإخوان المسلمين قائلاً: "ويحاولون أن يغدروا بمن يعملون تحت سلطته، وقد قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (لا غدر في الإسلام)" وفي معرض الإلزام يسألهم: "هل رخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكوت ... ومشاركة عدوهم في الأعمال أو حرضهم على نيل المراكز لديهم للغدر بهم" وذكرهم بقول هرقل "إن الرسل لا تغدر" ثم قال: "أنتم تخططون للغدر وأتباع الرسول والرسول نفسه لا يغدرون ... إنما المهم أن يوافقوكم على الاندماج في صفوف القوم... والسيطرة على المراكز للغدر بهم لإقامة دولتكم الإسلامية ... بينما أنتم تخفيتم واندسيتم بين الصفوف واندمجتم وغدرتم ولكنكم لم تقيموا دولتكم الإسلامية، وقتل منكم آلافٌ مؤلفةٌ في حركات الغدر" رسائل جهيمان العتيبي. رفعت سيد أحمد. ص 460. أخيراً، نعم في التراث الإسلامي شذوذات أقوالٍ وأفعالٍ تنطوي على شيء من الغدر، ولكن الحديث هنا هو عن تأسيس الغدر على مستوى الخطاب والآيديولوجيا وعلى مستوى التنظيم والتخطيط والتنفيذ.