بعد استخدام الأسد للسلاح الكيماوي ضد الشعب السوري يتحتم على الدول العربية أن تتخذ موقفاً جديداً وجدياً الآن إزاء واجب إنقاذ هذا الشعب المسكين من بطش جزار دمشق. لم يعد من الممكن إخلاقياً وسياسياً ودينياً وإنسانياً الاستمرار في السياسة العربية غير الفعالة إزاء الجريمة السورية، والتي أطالت من معاناة السوريين وفاقمت من عدد الضحايا. والعجز العربي والدولي الذي تتحمل وزره موسكو جراء وقوفها بصلافة في وجه أي قرار أممي ضد النظام السوري لم يعد بالإمكان قبوله. والسياسة الدولية تتيح، بل تفرض، على أي جوار إقليمي اللجوء إلى آليات ردع للأنظمة المجرمة خارج آليات مجلس الأمن التي تتعطل بسبب «فيتو» ومصالح القوى العظمى. ويُناط بالمنظمات الإقليمية عرفاً التعامل مع القضايا الإقليمية ومحاولة حلها قبل وصولها إلى مجلس الأمن، ومن ناحية نظرية بحتة فإن الملف السوري ومأساة الشعب هناك هي مسؤولية الجامعة العربية أولاً وأخيراً وقبل أن تكون مسؤولية مجلس الأمن. ولكن أما وأن الملف انتقل إلى مجلس الأمن الذي أثبت عجزه الفاضح عن إنقاذ السوريين فإن على الجامعة العربية أن تسترد الملف وتتحرك هي خارج نطاق مجلس الأمن وخارج نطاق مصالح الدول الغربية التي ساهمت مواقفها في إطالة عمر المجزرة وزيادة عدد الضحايا الأبرياء. والمطلوب الآن هو أن تبحث الجامعة العربية في آليات تحرك بعيداً عن مجلس الأمن، وبعيداً عن السقف الذي خطته الولايات المتحدة والدول الغربية. فالموقف الغربي حدد سقفاً منخفضاً لدعم الثورة السورية، مختلفاً عن السقف الذي كان عالياً إزاء الثورة الليبية. وعلى رغم أن الغرب لم يكن يحتفظ بأية علاقات ودية مع نظام الأسد، إلا أن عدة عوامل لعبت لصالح النظام وكبلت التأييد الغربي للثورة خاصة بعد أن أجبرها النظام على استخدام السلاح. والعامل الأساسي الذي رسم حدود الموقف الغربي، وخاصة الأميركي، تمثل في مستقبل أمن إسرائيل والخشية من فوضى ما بعد سقوط النظام أو قيام نظام بديل عن الأسد يكون أكثر عدائية لإسرائيل، ومُسيطراً عليه من قبل الإسلاميين، أو يُفسح لهم العمل في سوريا. ومن ناحية عملية أدى التردد الغربي إلى إطالة أمد الثورة ومنح النظام عمراً زمنياً إضافياً لملم فيه أوراقه وتمكن من عسكرة الانتفاضة السلمية وتبرير ضربها بشكل دموي وعنيف. والشيء المُفارق هنا هو أن المواقف العربية، بما في ذلك الخليجية المؤثرة، إضافة إلى التركية التزمت جميعاً بذلك السقف المنخفض، مما أفقد السوريين فرصة التخلص من النظام بصورة سلمية وسريعة. وإذا كانت للولايات المتحدة حساباتها الخاصة في رسم سياستها وحدود دعمها للثورة السورية، وأهمها العامل الإسرائيلي، فإن من المُفترض أن يكون للدول العربية وخاصة الخليجية منها حساباتها المختلفة، وأهمها في مواجهة التمدد الإيراني الفج. فهنا انخرطت إيران في دعم النظام بكل الوسائل بما فيها الدعم العسكري بشكل كامل وكاسح وغير متردد، مما عكس عمق الإصرار الإيراني على إبقاء دمشق تحت نفوذها المطلق. يُضاف إلى ذلك انخراط كبير ومشابه لـ«حزب الله» في الحرب باسم النظام وضد الثورة. والحقيقة أن الموقف الخليجي على وجه التحديد يستوجب إعادة نظر وتحريك، وهو الموقف الذي اتسم بـ«التأييد القوي، لكن مع الدعم غير الفاعل»، بمعنى أن التأييد السياسي والإعلامي والدبلوماسي لم يرافقه دعم فاعل على الأرض يغير من موازين القوى. وإعادة النظر في هذا الموقف يفرضها استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي ضد المدنيين السوريين، إضافة إلى الموقف الخليجي من الحدث المصري والإطاحة بحكم مرسي. ففي هذا التطور الأخير برز موقف خليجي مفاجئ في صرامته وحزمه ودعمه القوي والفاعل للفريق السيسي والحكومة الانتقالية على الضد من الموقف الغربي الذي رأى في الإطاحة بمرسي انقضاضاً على حكم «ديمقراطي»! وقد افترق الموقف الخليجي بشكل كبير عن الموقف الغربي، ولم يلتزم بأي سقف أو توجه عام بهذا الشأن. بل ثمة تصريحات متواترة تطمئن الحكم في مصر على أن الدعم الخليجي سيعوض أي قطع للمعونات الأميركية والأوروبية إن حدث. ودعم من هذا النوع يعتبر دعماً فعالاً ويؤثر في موازين القوى، ولا يلتزم بالموقف الغربي. ومعنى ذلك، وعلى ذات المنوال، بإمكان دول مجلس التعاون الخليجي تبني موقف داعم، وليس فقط مؤيداً مشابهاً إزاء الثورة السورية، لا يلتزم بالسقف الغربي، ويكون هدفه إحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى العسكري في الميدان. وإذا كان تقدير الموقف في مصر من قبل دول الخليج، والذي ترتب عليه الدعم المُشاهد حالياً، ينطلق من الوقوف ضد تمدد «الإخوان المسلمين»، فإن الأخطر عملياً من ذلك وبفارق كبير هو التمدد والنفوذ الإيراني الذي يخوض حرباً طاحنة في سوريا، ويريد أن يبقيها، ولبنان معها، تحت السيطرة الإيرانية المطلقة. إن الحسابات الاستراتيجية تلك مع الحسابات الأخلاقية والإنسانية يجب أن تغير معالم المواقف والصورة. فالآن يحسم كيماوي الأسد ضد أطفال سوريا ومدنييها أي جدل أخلاقي أو سياسي حول الموقف من النظام و«مشروعية» الحرب الدموية التي يخوضها، ويجب أن يغير من قواعد اللعبة الدامية. والنظام المافيوي الذي دمر سوريا وبطش بأكثر من مئة ألف من شعبها دفاعاً عن كرسي الحكم انتقل الآن إلى استخدام السلاح الكيماوي الذي شاهدنا نتائجه «البطولية» في جثث الأطفال المختنقين ولوعة أمهاتهم عليهم، وإن تم التغاضي عن جريمته الأخيرة هذه ورفعه لسقف البطش فإنه سيتمادى وينتقل إلى مستوى آخر لا أحد يعلم ما هو. وما نراه اليوم يمثل فصلاً إضافياً مدهشاً من الجريمة التي تخطت كل الخطوط الحمراء، ينتقل بـ«بطوله» الأسد ونظامه ضد شعبه شوطاً إضافياً، ذاك أن الدبابات والطائرات وأسلحة المدفعية التي علاها الصدأ في مستودعات «نظام المقاومة» اشتغلت بكامل طاقتها ضد الشعب الذي ثار على استبداد الأسد وعائلته وفساده. لقد آن الأوان لإيقاف هذه الجريمة وهذه المهزلة التي تهدر الدم السوري البريء وتكللنا بالعجز والسلبية الأخلاقية.