فراغ «اليمين» في المشهد السياسي... والتحدي السوري للمجتمع الدولي ------- المشكلات السياسية التي يرزح في إسارها اليمين الفرنسي، وعجز المجتمع الدولي في وجه استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، والتوظيف السياسي المحتمل للألعاب الأولمبية الشتوية في «سوتشي» الروسية، ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. ------- مأزق اليمين في مقال بصحيفة لوفيغارو اعتبر الكاتب إيف تريّار أن اليمين الفرنسي يمر الآن بمأزق سياسي كبير، وذلك في مقابل النشاط غير العادي الذي يتسم به أداء الرئيس أولاند ويساره الاشتراكي الحاكم. وفي مقابل الحركة غير العادية من قبل الاشتراكيين وامتلاكهم رؤى وخططاً حتى لسنة 2025 يبدو حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية في حالة فراغ سياسي ووجوم مستمرين منذ خسارة زعيمة ساركوزي في الانتخابات الماضية، كما ينقصه الخيال وروح المبادرة، ولا يمتلك القدرة على تقديم بدائل أو رؤى أخرى تستطيع استقطاب اهتمام الفرنسيين وقد باتت الأنظار الآن متجهة إلى الانتخابات البلدية المقبلة. وعلى عكس الاشتراكيين الذين ينظرون إلى الأمام ويستشرفون المستقبل، ينكفئ اليمين التقليدي على نفسه، ويلتفت إلى الوراء دون أن يجد طريقة تمكنه من تجاوز صدمة ما بعد رحيل ساركوزي. ويمضي الكاتب في افتتاحيته المعنونة «الاتحاد من أجل حركة شعبية إلى أين؟»، متسائلاً حول ما يمكن لأكبر أحزاب اليمين الفرنسي فعله الآن للخروج من بياته السياسي، لتدارك ما يمكن تداركه من فرص إقناع ومعارضة قبل حلول موعد الاستحقاقات السياسية المقبلة؟ مشيراً إلى أن الحزب ما زال في مقدوره فعل الكثير، حيث يتعين عليه الآن تقديم سياسات موازية وقادرة على المنافسة، بهدف إقناع الفرنسيين بأنه ما زال في جعبته الكثير من الحلول لمشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. وهذه الروح المبادرة سياسياً أفضل بكثير من استراتيجية النقد السلبي، وهجاء أحوال فرنسا الآن، دون تقديم بديل مقنع. كما أن على الاتحاد العمل أيضاً لإعادة تنظيم صفوفه، وتجاوز حالة الفوضى العارمة الآن. هذا فضلاً عن خطر الاستنزاف السياسي المستمر الذي يعاني منه الحزب في صفوف جمهور اليمين، بسبب السياسات الشعبوية التي يروج لها بنشاط وفعالية حزب لوبان، «الجبهة الوطنية»، وغيره من أحزاب اليمين المتطرف. وأخطر من هذا كله أنه إذا استمر غياب الهوية والرؤية السياسية، وتواصل صراع أجنحة الحزب، وغياب الزعامة الكاريزمية، فلن يكون أمامه سوى انقسام محتوم بين من يرون في الحزب ضرورة سياسية، ولن يتحقق لليمين أي انتصار بدونه، ومن يرون أنه هو نفسه أصبح وصفة سياسية مضمونة للفشل والهزيمة في أي استحقاق سياسي مقبل. الكيماوي السوري نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسياً تحت عنوان «الهجمات الكيماوية في سوريا: انتظروا رأي الخبراء قبل التدخل» قالت فيه إن ما تعرض له المدنيون السوريون مؤخراً من هجمات، وما تردد من اتهامات بشأن استخدام نظام دمشق لأسلحة كيماوية في هذا النزاع المزمن، أظهر مجدداً الزبونية الفاضحة التي يرزح في متاهاتها مجلس الأمن الدولي، مما يتيح لحلفاء بعض دول المجلس التي تمتلك حق النقض «الفيتو» أن يمارسوا أبشع أنواع القتل ويرتكبوا الفظائع والمجازر بحق المدنيين العزل، دون أن يكون مجلس الأمن، ومن ورائه المجتمع الدولي كله، قادراً على تحريك ساكن، وتحمل مسؤولياته الإنسانية في حماية، أو حتى تقليل معاناة، ضحايا مثل تلك الانتهاكات الشنيعة. وفي هذا الإطار لاشك أن استخدام الغازات السامة من قبل قوات نظام الأسد ضد المدنيين في ضواحي دمشق يشكل انتهاكاً صارخاً وتحدياً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وخاصة ضد الاتفاقية الدولية بشأن الأسلحة الكيماوية الموقعة في سنة 1993، المكملة لبروتوكول جنيف في عام 1925، التي تحظر استخدام أي شكل من أشكال الأسلحة الكيماوية والبكتيرية في الصراعات المسلحة، وتحت أية ذريعة أو سبب كان. بل إن اتفاقية عام 1993 تمنع أصلاً امتلاك الأسلحة الكيماوية، وصناعتها، وتخزينها، وتلزم بتدميرها. وهذه الاتفاقية موقعة في باريس في يوم 13 يناير 1993 وقد دخلت قيد التنفيذ والسريان اعتباراً من 26 أبريل 1997. ويأتي منع تعريض البشر لخطر الأسلحة الكيماوية ضمن إلزام الدول بتوفير حق الحماية للسكان من كل ما من شأنه أن يكون داخلاً ضمن أفعال الإبادة، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم بحق الإنسانية. وقد ترتب على هذا تشريع حق التدخل لدواع إنسانية الذي اقترحته فرنسا وصوت عليه قادة العالم في الأمم المتحدة في 16 سبتمبر 2005. وقد تم الاستناد إلى حق التدخل لدواع إنسانية في إصدار قرار مجلس الأمن 1970 في فبراير 2011 لتوفير الحماية للمدنيين الليبيين، وهو ما مهد للتدخل الدولي اللاحق لوقف هجمات نظام القذافي على المدنيين العزل. ومع هذا تقول الصحيفة إن سوريا ليست ليبيا، ما في ذلك شك، لكون عوامل كثيرة تتداخل تجاه نقل التجربة الليبية إلى الحالة السورية الراهنة أمراً بالغ الصعوبة. ومن المفهوم أن أي تدخل عسكري لتوفير حق الحماية للمدنيين لا يمكن أن يتم إلا تحت تفويض من مجلس الأمن. وهذا الأخير ما زال يواجه حالة انسداد الأفق بسبب «الفيتو» الروسي والصيني. وقبل هذا أيضاً وعلى رغم قوة المؤشرات على استخدام أسلحة كيماوية في سوريا ضد المدنيين، فإنه يتعين انتظار رأي لجنة الخبراء الدولية المكلفة بالتحقيق في هذه القضية، والتي يقودها السويدي إيك سيلستورم، الذي تراكمت لديه خبرة كبيرة في هذا المجال، عن طريق عمله في التسعينيات ضمن فريق تفكيك وتدمير برنامج العراق للأسلحة الكيماوية والبيولوجية. وفي سياق متصل اعتبر أيضاً الكاتب بيير روسلين في افتتاحية أخرى بصحيفة لوفيغارو أن تواتر الهجمات الكيماوية الخطيرة في سوريا، وشلل مجلس الأمن الدولي، يظهران إلى أي مدى فقدت «القوى» الغربية أية قدرة على التأثير في مجريات الأحداث الجارية في الشرق الأوسط. والكل يتذكر الآن ذلك «الخط الأحمر» الذي أعلن عنه أوباما قبل عام من الآن بالتمام والكمال، والذي أيدته الدبلوماسية الفرنسية أيضاً، وهو خط لم يتم تجاوزه فقط، بل تم إغراقه بسيل من الدماء. وليس هذا وحده، بل إن ثمة خطاً أحمر آخر تم اختراقه وإغراقه كذلك هو الحفاظ على ترابط الموقف الغربي. الذي يتعين الآن العمل على توحيده وتفعيله ضمن استراتيجية فعالة ضد نظام الأسد. أما الكاتب فرانسوا سيرجان فقد عنون افتتاحية لصحيفة ليبراسيون بكلمة واحدة هي «تدمير» في إشارة إلى المجزرة الشنيعة التي وقعت في منطقة الغوطة ضمن أهوال الحرب السورية الجارية. واعتبر الكاتب هو أيضاً أن ما جرى يقدم مؤشراً آخر على عجز الموقف الغربي، والدولي، وخاصة أن موقع المجزرة لا يبعد سوى خمس دقائق بالسيارة عن مقر إقامة مفتشي الأمم المتحدة الذين جاءوا إلى دمشق للتحقيق في الهجمات الكيماوية. وقد أظهر النظام عدم اكتراثه بهم، وعدم استعداده لتسهيل مهمتهم، لقناعته بأن مجلس الأمن معطل في النهاية، ولن يصدر أي قرار يوقفه عند حده. ألعاب «سوتشي» نشرت صحيفة لوموند افتتاحية تحت عنوان «ألعاب سوتشي لا نبغي أن تكون ألعاب صمت» تساءلت في بدايتها عما إن كانت تتعين مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية المقرر تنظيمها في مدينة سوتشي الروسية في شهر فبراير من العام المقبل؟ وهو سؤال يتردد الآن على خلفية الانتقادات التي توجه لسجل موسكو في مجال حقوق الإنسان. وقد طُرح أيضاً بعيد انتهاء بطولة العالم لألعاب القوى التي انتهت مؤخراً في موسكو. ولاشك أن الرئيس بوتين سيستفيد من ألعاب سوتشي للترويج لسياساته. وهي فوق ذلك فرصة ثمينة تتاح له لكي يقدم نفسه بطريقة إيجابية على المسرح الدولي. وقبل هذا كان أولمبياد بكين في سنة 2008 قد أثار هو أيضاً انتقادات عديدة وتساؤلات ربطت فيه البعد السياسي بالمطلب الحقوقي. واعتبرت الصحيفة أن اللجنة الأولمبية الدولية لم تشتهر بشكل كبير بالتركيز على قضية الحريات العامة، وابتعادها عن الشأن السياسي له تداعياته في هذا المقام، بل يمكن القول أيضاً إنها لا تهتم بذلك قدر اهتمامها بخزائن الأموال الكبيرة القادرة على تمويل أنشطة الألعاب الأولمبية. ولذا يسعى بوتين الآن إلى أن يجعل من ألعاب سوشي الأولمبية ألعاب نسيان مزدوج: نسيان مشكلات منطقة شمال القوقاز من جهة، ونسيان ممارسات نظامه السلطوية من جهة أخرى. وهذا ما يجعل سؤال المقاطعة مطروحاً. وعلى كل حال ينبغي ألا تكون هذه الألعاب في النهاية ألعاب صمت ونسيان. إعداد: حسن ولد المختار