كيف سقط العملاقة؟ وكيف أصبح حال قاهري العالم المفترضين، وهم البرازيل وروسيا والهند والصين اليوم؟ فالبرازيل غارقة في الاحتجاجات، ونمو الصين يتباطأ، وروسيا مدمنة لعبة التجسس ذاتية التدمير، وعملة الهند في أدنى مستوياتها؟ من بين الأربعة، تحظى الهند بأفضل احتمالات النمو مستقبلاً، فلماذا تنخفض الروبية بمثل هذا الشكل؟ حتى لو كانت الصين تنمو بشكل أسرع الآن، فالهند أمامها أعوام أكثر من التوسع السريع، لأنها ببساطة لم تتوسع في الحضر أو لم تتبن التكنولوجيا بنفس المستوى. ولأن قيمة الروبية في الأسواق العالمية تعتمد على الطلب عليها وعلى المعروض منها، يتعين علي المرء النظر إلى كليهما كي يفهم ما يحدث. وفيما يتعلق بالطلب، فمربط الفرس هو ما الذي يجعل الناس يريدون تغيير العملات الأخرى مقابل الروبية؟ فشراء أي شيء من الهند، مثل البضائع والخدمات والأصول المالية، يتطلب الحصول على الروبية. ويرتفع الطلب على الروبية مع ارتفاع الطلب على أي من هذه الأشياء. وبالطبع عندما تكتسب الروبية قيمة، فإن أي شيء يُشترى بالروبية يصبح أكثر غلاءً للأجانب، لذا يتوازن الطلب من تلقاء نفسه. وهذا ما لم يحدث للأصول الهندية بعد. ففي أبريل 2011، توقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الهندي بمعدل 3?7 في المئة بين عامي 2013 و2016. وتشير أحدث توقعات للصندوق، وقد تم تحديثها بناءً على أرقام أبريل 2013، إلى أن النمو سيبلغ 2?8 في المئة خلال الأعوام الأربعة المقبلة. والتوقعات لا تقول ما إذا كانت احتمالات النمو الأقل تعني إقبالاً أقل من المستثمرين. وفي نفس الوقت الذي تتهاوى فيه توقعات النمو في الهند، أصبحت أسواق أخرى أكثر جاذبية. وقبل بضعة أعوام، كان المستثمرون المحبطون من التعافي البطيء في الأسواق المستقرة، يغامرون بالعمل في أسواق الهند. والآن، بعد تحقق استقرار أكبر، عادوا إلى اقتصادات الدول المتقدمة بحثاً عن صفقات. ولا غرابة، فالحصول على الائتمان بات أصعب في الهند والفوائد على أذون خزانتها بلغت أعلى معدل في خمس سنوات. وربما تتعلق القفزة في عائدات السندات أيضاً بتوقعات التضخم، وهذا من المخاوف الأخرى في الهند. ومع تصاعد الأسعار، فإن قيمة الروبية تنخفض بطبيعة الحال، ولن يتنازل المستثمرون الأجانب عن الكثير من عملاتهم لشرائها. وارتفعت أسعار الاستهلاك بنسبة 3.8 في المئة فقط عام 2004، لكن المعدل تسارع في كل عام تلا ذلك حتى عام 2010 عندما بلغ التضخم 12 في المئة، وهو مستوى قياسي غير مسبوق. ومع معدل تضخم بلغ العام الماضي 9.3 في المئة، وقد يرتفع أكثر خلال العام الجاري، يتعين على راجورام راجان، المحافظ الجديد لبنك الاحتياط الهندي، أن يقرر المعروض من الروبية وأن يبطئ عملية طبع العملة حتى يتقلص التضخم. لكن مع تقلص إمكانية الحصول على الائتمان أكثر مما هي عليه الآن، قد يؤدي ذلك إلى إبطاء الاقتصاد في وقت ليس ملائماً. وقد بدأ زعماء الهند بالفعل يقلقون بشأن انتخابات العام المقبل والاحتياطي الهندي أقل تمتعاً بالحماية من تدخلاتهم مقارنة بالاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو البنك المركزي الأوروبي. وهناك بالطبع مساحة للتحسن في جانب العرض. وبين يوليو 2011 ويوليو 2013، زاد العرض من العملة الهندية بنحو 29 في المئة. وأثناء نفس الفترة، زادت قيمة إجمالي الناتج المحلي بالروبية نحو 27 في المئة. وبعبارة أخرى، فقد ترك الاحتياطي الهندي العرض من النقود يتزايد بأكثر من الكمية اللازمة لتغطية التضخم والنمو الاقتصادي. والروبيات الإضافية التي ضُخت في الاقتصاد ليست إلا مزيداً من الوقود لنار التضخم. وربما وفّر البنك المركزي المال لمساعدة الأجانب على شراء أصول هندية، لكن خفض سعر الروبية قد نفّرهم بالفعل. وفي المدى الأبعد، يجب أن تكون الروبية قادرةً على استيعاب تضخم معتدل دون أن تفقد الكثير من قيمتها. وتتزايد إنتاجية العمال الهنود بالفعل مع التوسع الحضري في البلاد وتبني التكنولوجيا الجديدة. وسوف ترتفع الأجور، ومعها الأسعار. وفي ظل مستوى أعلى من الأسعار، فإن أي شخص يبيع وحدة من المنتجات سيحصل على المزيد من الروبيات مقابلها. وما لم يحدث تغير كبير في سعر الصرف، فالمزيد من الروبيات سوف يشتري المزيد من العملة الأجنبية والمزيد من العملة الأجنبية سوف يشترى المزيد من المنتجات الأجنبية. لكن أياً من ذلك لن يمنع بالضرورة حدوث التوازن بين العرض والطلب على الروبية. فما نهاية اللعبة هنا؟ ما دام أن الاحتياطي الهندي لم يبدأ في طبع روبيات كما لو أنه لا يوجد غد، وطالما أن راجان في منصبه، فمن شبه المؤكد أن هذا لن يحدث. فتهاوي العملة سيكون مؤقتاً. وفي مرحلة ما سوف تبدو أسعار الأصول والبضائع والخدمات الهندية رخيصة وسوف يعود المستثمرون. لكن كي يحدث هذا يتعين ترك أسواق العملة إلى آلياتها. وكان الاحتياطي الهندي قبل فترة راجان قد تحرك في الاتجاه المعاكس من خلال تقييد قدرة الهنود على بيع الروبية، مما سيفسره المستثمرون بأنه مسعى الملاذ الأخير للحفاظ على قيمة العملة في مستوى مفتعل الارتفاع. وفي الأرجنتين أدت إجراءات مشابهة في الآونة الأخيرة إلى سوق سوداء للبيزو، وإلى تقويض الثقة في السياسات الاقتصادية للبلاد. لذلك يتعين على راجان أن يكون همه الأول هو تغيير المسار. دانيال التمان أستاذ الاقتصاد في مدرسة ستيرن للاقتصاد بجامعة نيويورك ---------- ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»