تمر الأمة العربية الآن بمخاض صعب ومصيري، فكلّنا نشهد المذابح والقرابين التي تقدم بين يدي التغيير الثوري الذي سمي تجاوزاً بـ«الربيع العربي»، وكلّما طال زمن الفتنة تعمّق التطرف الفكري عند العرب. البعض يشبه ما يجري هذه الأيام بمخاض الثورة الفرنسية التي غيرت وجه أوروبا ونقلته من الملكية الإقطاعية إلى عالم الديمقراطية، بيد أن الفجوة كبيرة بين المشهد العربي وفصول التغيير الفرنسي، فهناك مثلاً كانت الدعوة واضحة لفصل الدين عن الدولة وحصر الكنائس في العبادات، لكن في الثورات العربية نجد إقحاماً للدين من قبل الأحزاب لتحقيق مرادها، فأصبح القتل يتم باسم الله وعلى بركة الله، وتحول الشارع العربي إلى نهر جار من الدماء لا يعرف القاتل لم يقتل ولا المقتول لم قتل، بل إن البعض تطرف حتى جعل مفاتيح الجنة لدى جماعته يُدخل فيها من يشاء. وفي مقابل التطرف لدى الأحزاب رأينا تطرفاً مقابلاً لا يقل خطورة لدى من بيدهم الأمر، فمن أجل سلامة الوطن لا بأس بسفك دم كل معارض، والتاريخ يعيد دورته فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكنها اليوم معركة الوطن، الكل فيها خاسر مهما كان الثمن. ونرى شعارات كنا نمقتها تتلخص في مقولة من هو ليس معنا فهو ضدنا، فأصبح الناس في حيص بيص ينتظرون الفرج أن يأتي بمعجزة ربانية أو تدخل أممي يسوق الدول العربية إلى عصبة الأمم التي تبحث عن مصالحها وليس في أجندتها مصلحة العرب القومية. هنا يبرز دور العقلاء من الناس، فعند الفتن لن تجد الحكمة عند من له انتماء أعمى من الطرفين، فكل حزب بما لديهم فرحون ومن أجل مصالحهم يسعون، فالانتماء إلى الأحزاب، دينية كانت أم ليبرالية، يضع على العقل غشاوة اسمها مصلحة الحزب، وهي في حقيقتها فوق المصالح الوطنية وإن تقاطعت معها أحياناً. العرب اليوم بحاجة إلى إعلاء شأن العقل والعقلاء في التعامل مع هذه الأحداث وإبعاد أهل التطرف والتزلف من الطرفين عن عملية صناعة القرار، كما أن للإعلام دوراً هداماً في إثارة الفتنة بدلاً من إخماد جمرتها، ويشمل ذلك الإعلام الحديث بكل تقنياته، وذلك بالبحث عن مواد الإثارة بل بافترائها أحياناً والتعامل مع المتحدثين المتحمسين الذين تنقصهم حكمة الواقع ورجاحة العقل في كثير من الأوقات، فيزداد الطين بلة بتصدرهم الشاشات وبتغريداتهم عبر مختلف الواجهات. كل ما يجري من حولنا فيه دروس لنا نحن من نعيش بعيداً عن الفتنة ونارها، وأهم درس لنا في منطقة الأمان اليوم البعد عن التطرف بكل أنماطه وأشكاله، سواء ما كان منه متلبساً بالدين أو مرتبطاً بأهل المصالح من الحزبيين، وعند المشاورة نبحث عن أصحاب العقول الحرة التي لم تخلط الدنيا بالدين بل تبحث عن الحكمة بين العقلاء في العالمين. والدرس الآخر هو إعلاء شأن العقل في مجالسنا وخطابنا وتدريب الجيل القادم على مهارات التفكير العليا التي تجعلهم جنوداً واعين وعن حمى الوطن مدافعين وللإشاعات مفندين، ومن أجل سلامة الوطن متكاتفين وحول قيادتهم الوطنية متجمعين. وإن كنا من قبل لا نحب المفكرين لأنهم ينظرون للأمور من زاوية العقل الذي يقدم المصلحة العامة على الخاصة، فإن الواقع اليوم يفرض البحث عن العقلاء النبلاء لأن الأزمات تتعقد بالعاطفة وتعالج بالعقل وتحتاج إلى قرارات تاريخية تأتي بها قيادات عقلانية.