شبَّه الأمير سعود الفيصل موقف الملك عبدالله بن عبد العزيز من مصر بعد حركة الثالث من يوليو، بموقف الملك فيصل عام 1973 عندما شارك مصر وسوريا في حربهما لتحرير الأرض المحتلة، بقطع البترول، والقيام بتحرك سياسي ودبلوماسي كبير، لاستثمار آثار التضحيات في حرب أكتوبر 1973. والمعروف أن نكسة عام 1967 ما أدت إلى احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس، بل أدت أيضاً إلى شل قدرات الأمة العربية، وهدَّدت بالانصراف عن القضية الفلسطينية إلى محاولة تحرير الأرض في الدول العربية الثلاث. وعندما حصلت تلك الهزيمة ما كانت العلاقات السعودية المصرية على ما يُرام، بسبب النزاع الناجم عن التدخل المصري باليمن، وتهديد الحدود السعودية لهذه الناحية. على أن المملكة شأنها دائماً في مثل تلك الظروف، ما تأخّرت عن الوقوف إلى جانب الأشقاء في أزمتهم الطاحنة. وقد خاضت السعودية عمليات الدعم والتضامن عبر أمرين: فض النزاع مع مصر بشأن اليمن، وعقد مؤتمر الخرطوم الذي وضع استراتيجيةً عربيةً لاستعادة الأرض، ولإعانة كلّ المتضررين في الشأن الداخلي، وفي الجهد العسكري. ولأن الجبهة صارت واحدة، فقد كانت المملكة هي الوحيدة التي جرى إطلاعُها على مواقيت الحرب من أجل التحرير. ولمّا لم يكف الجهد الحربي في حرب أكتوبر لتحرير الأرض والإرادة، جاء موقف الملك فيصل ليصنع نقلةً جديدةً وأساسيةً في العلاقات العربية العربية، وفي العلاقات العربية الدولية. وما كانت المملكة من أنصار اتفاقيات كامب ديفيد بعد زيارة السادات للقدس (1977-1979)، ومع ذلك فإنها ما رأت مصلحةً في المقاطعة الشديدة التي مارسَها اجتماع بغداد على مصر الدولة ومصر الناس. فقد ظلت المملكة ومعها دولة الإمارات العربية، تحاول استعادة مصر، إلى أن عادت إليها الجامعة العربية في أواخر الثمانينيات. إنما إلى جانب ذلك أرادت الدولتان العربيتان استعادة التضامُن العربي الداخلي لتجاوُز آثار غياب مصر، ليس عن قضية فلسطين وحسْب؛ بل وعن هموم الحاضر العربي والمستقبل العربي. فكما صار معروفاً منذ أمدٍ طويل، كانت لذلك الخَرْق الكبير تداعياتُه التي ظهرت في حرب لبنان(1975-1990)، وفي النزاع العراقي السوري المديد، وفي تهدُّد العراق نتيجة الحرب التي شنّها صدَّام على إيران عام 1980. لقد كان على المملكة ودولة الإمارات والكويت حماية العراق نفسه من سياسات حاكمه الحربية، وكان عليها إعادة الهدوء إلى لبنان، كما كان عليها إعادة الزخم للقضية الفلسطينية، والعمل على منع استفحال سطوة الأسد وسط خُلُوّ الجوّ بانهماك العراق وتهدُّده، والسياسات التدخلية للنظام السوري في كل مكان. ووسط هذه المِحَن كُلّها قام صدّام باحتلال الكويت، ليزيد ذلك من التدخلات الإقليمية والدولية بمشارق العالم العربي ومغاربه. وهكذا ما أن جاءت التسعينيات، بعد الثمانينيات العاصفة، حتى صارت دول الخليج تواجه في محاولاتها لاستنقاذ حاضر العرب ومستقبلهم ثلاثة تحديات: ضعف المشرق العربي المشلول بمحاصرة العراق، وانصراف سوريا عن تحرير الأرض إلى مصارعة العراق والتدخل بلبنان والتحالُف مع إيران، وصيرورة أميركا وإسرائيل شريكين شبه دائمين في قضايا العرب ومصائرهم، وبروز وافد جديد للتخريب بالداخل ومع الخارج تمثّل في الإسلام الجهادي والآخر السياسي. ورغم كلّ محاولات الترتيق وإعادة التركيب، ومراضاة الخواطر، وصنع الروافع للعمل العربي المشترك؛ فإن الغزو الأميركي للعراق عام 2003، فضلاً عن تخريبه لذاك البلد، فإنه جعل من إيران إلى جانب إسرائيل الحاضرة دائماً ثم تركيا، عوامل تدخُّلٍ وإضعافٍ في شتى المجالات، بما في ذلك قضية فلسطين. وهكذا فإن أحد الدارسين العرب البارزين قال عام 2005: لقد ذهب عقد التسعينيات غير مأسوف عليه، لكنّ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ينذر بأن يجعلنا نترحم على تسعينيات القرن الماضي! وفي مؤتمر القمة العربية بمدينة سرت الليبية عام 2010 قال الأمير سعود الفيصل، رداً على مشروع أمين عام الجامعة لإقامة علاقات استراتيجية مع دول الجوار، إن العالم العربي يعاني من حالة «خواء استراتيجي» لا تستقيمُ معه علاقةٌ من أيّ نوع مع الدول التي تسلك إزاء العرب مسلكاً لا يختلف كثيراً عن المسلك الإسرائيلي التقليدي، ويتمثل في تقسيم ديار العرب إلى مناطق نفوذ، وتشتيت الشعوب والدول والبلدان! كان لابُدَّ من حدوث شيء؛ إذ ما عاد الترميم ممكناً وسط الانسدادات والتدخلات. فعندما انصرف الأميركيون لترتيب خروجهم من العراق، كأنما استخلفوا علينا إيران وتركيا... إضافةً لإسرائيل! وعندما اندلعت حركات التغيير العربية (2010-2011) بدءاً بتونس، بدا لأول وهلة كأنما ذلك كلُّه ناجم عن الانسدادات الداخلية. لكن تلك الحركات كانت في الواقع تعبيراً عن حالة الخواء التي أوشكت أن تُزيل دولاً وتُشتِّت شعوباً بدون رادع. فالديكتاتوريات استعانت بالخارج أيضاً على شعوبها. وقد كنتُ أرى أنّ تداعي الجمهوريات الوراثية، سيجلب معه تداعياً في الأصوليات الجهادية والسياسية. لكن الذي حصل تصاعُدُ جهاديات عاصفة وقاتلة من جديد من جهة، وإسلام سياسي انصرف إلى تضييع الانتماء والهوية، وكسر الدولة والمؤسسات. وفي الوقت نفسه منافقة تلك الجهاديات، والتنسيق مع التدخلات الإيرانية والتركية. وقد شهد عدد منا ممن زاروا تونس ومصر وليبيا وتركيا وإيران بين عامي 2011 و2013 أنّ وُلاة أمر الإسلام السياسي منهمكون في محاولات «استيعاب» المتطرفين بطرائق ترهن أمن البلاد بأيديهم، ومنهمكون في إظهار شراكتهم مع إيران ولاية الفقيه، وتركيا أردوجان. ويخالط ذلك إحساسات سلبية تجاه دول الخليج، التي كانوا يعيرونها تارةً بعروبتها، وتارةً أُخرى بإسلامها! وقد ظهر ذلك بوضوح في مجريات الثورة السورية. إذ إنّ أحداً من أولياء أمر الإسلام السياسي ما اهتمّ للمذبحة الجارية هناك، وما استنكر أحدٌ ولو قولا التدخل الإيراني في سوريا. وجاءنا مرسي بمبادرته الرباعية لحل الأزمة السورية كما قال، والتي عنت اعترافاً لإيران بدور رئيسي في سوريا إلى جانب تركيا والسعودية ومصر. وفي الاجتماع الأول للرباعية اقترحت إيران إدخال العراق وفنزويلا إلى اللجنة العتيدة! وزاد الطين بلّة أنّ الولايات المتحدة الخائفة من الجهاديين بسوريا، أنجزت عقداً أو ما يُشبه العقد مع الحاكمين بمصر، كما سبق مع إيران، دونما خوف من الإسلام أو عليه! ولذا فإن الحركة المصرية للتصحيح واستنقاذ الدولة والمجتمع، حظيت منذ اللحظة الأولى بحركة خليجية زاخرة ومتضامنة. إذ عندما يعود العرب الخليجيون إلى مصر؛ فإن ذلك يعني مساراً جديداً افتقدناه مرتين وثلاثاً. افتقدناه عندما غيّبت مصر الانكفائية من جهة، والتنكر للانتماء العربي من جانب «الإخوان». وافتقدناه عندما أوشكت إيران أن تستولي على العراق وسوريا ولبنان وغزة. وافتقدناه عندما لم يعد العرب يمتلكون الزمام في قضاياهم الكبرى مع الإقليم وفي العالم. لقد كان يقال إنّ أحوال العرب تستقيم عندما تلتقي مصر مع السعودية والشام. وقد انقضى ذلك منذ زمن. أما الآن فإن السعودية والإمارات والكويت والأردن، تمضي إلى مصر، وتعود مصر إليها، ليبدأ زمن عربي جديد، نلتفت في أمده الشاسع لاستعادة الشام والعراق والسودان وليبيا وتونس. لقد كانت تلك إرادة الناس الذين تحركوا عام 2011، والذين أوشكت التدخلات الإقليمية والدولية أن تشل حراكهم، كما حاول الحزبيون الإسلاميون المسلحون وغير المسلحين أن يضيعوا مصالحهم وانتماءهم. بالحراك المصري، والحراك العربي الخليجي انتهى زمن الخواء الاستراتيجي، ليبزغَ زمن جديد للعرب ولقضاياهم ولأمنهم وحقّهم في الحرية والكرامة والاستقرار.