قبل وقت ليس ببعيد، بدا أن تركيا قد توصلت للوصفة المطلوبة من أجل النجاح في السياسة الخارجية؛ حيث حظيت فلسفة «صفر مشاكل مع الجيران» التي تبنتها بالإشادة في الداخل والخارج على حد سواء، في وقت أعادت فيه أنقرة انخراطها مع الشرق الأوسط بعد نصف قرن من الابتعاد. فقامت بتوسيع علاقاتها التجارية مع الدول العربية، إضافة إلى إيران؛ ورفعت قيود التأشيرة عن البلدان المجاورة؛ بل وساعدت على التوسط في بعض من أصعب نزاعات المنطقة، حيث توسطت في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، و«فتح» و«حماس»، وباكستان وأفغانستان. وبعد بضع سنوات فقط على ذلك، بدأت تلك الوصفة، التي كانت ناجحة وموثوقة في يوم من الأيام، تُظهر قصورها في أعقاب «الربيع العربي» وما بعده؛ حيث خرق رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الآن جسوره مع النظام الجديد في مصر، ودخل في جدالات مع بعض البلدان العربية الأخرى على خلفية موقفه من الرئيس المعزول محمد مرسي، وبدأ حرباً كلامية مع إسرائيل هي الأخرى. والواقع أنه في وقت من الأوقات، كانت مصر هي المحور الرئيسي لسياسة تركيا الخارجية في العالم العربي. فعندما زار أردوغان القاهرة في سبتمبر 2011، عقب الثورة التي أطاحت بنظام مبارك، استُقبل بحفاوة كبيرة لأنه كان أول زعيم عالمي كبير دعاه إلى التنحي عن السلطة. غير أن ذلك تغير الآن: حيث قامت تركيا ومصر بسحب سفيريهما كل من البلد الآخر وسط هذا الخصام، وانتقد أردوغان الحكومة الجديدة في القاهرة على رؤوس الأشهاد. وهذا الأسبوع، قام أردوغان بجر إسرائيل أيضاً إلى النزاع زاعماً أن إسرائيل كانت «وراء» عزل مرسي في مصر. أما الدليل على ذلك، مثلما أكد مكتبه لاحقاً، فهو مقطع فيديو يعود لـ2011 تظهر فيه وزيرة الخارجية الإسرائيلية وقتئذ تسيبي ليفني والفيلسوف الفرنسي بيرنارد هنري ليفي وهما يناقشان «الربيع العربي». وهذه النزاعات جعلت المراقبين للسياسة الخارجية التركية يتساءلون حول ما إن كانت مقاربة أردوغان قد بدأت تُضعف فعاليته. وفي هذا الإطار، قال لي دبلوماسي تركي رفيع المستوى إن تركيا عندما نددت بعزل مرسي وجدت نفسها «على الجانب الخطأ من المجتمع الدولي». فقد كان على أنقرة أن تلقي بثقلها قبل تنحية «الإخوان المسلمين» من السلطة بوقت طويل، يضيف الدبلوماسي التركي؛ ذلك أن «تركيا ركزت كثيراً على قصة نجاح الديمقراطية في مصر وربما لم ترَ الأشياء الخاطئة التي كان يرتكبها نظام مرسي». والحقيقة أنها كانت مسألة وقت فقط قبل أن تنهار سياسة «صفر مشاكل» التركية، وهي سياسة كانت تعني أن تمتنع تركيا عن حشر أنفها في الشؤون الداخلية لبلدان أخرى، بل وحتى التقرب من الرجال الأقوياء في المنطقة. وقد كان ذلك ممكناً طالما أن الوضع القائم مستمر، حيث لاذت أنقرة بالصمت حول الأعمال التي اندلعت في إيران بعد الانتخابات في 2009، مثلاً؛ وعززت تحالفها مع الأسد قبل اندلاع الثورة في ذلك البلد. وفي ليبيا، كان أردوغان سعيدا جداً بغض الطرف عن سجل القذافي المروع في حقوق الإنسان، إذا كان ذلك هو الثمن الذي ينبغي دفعه من أجل توقيع رجال الأعمال الأتراك لصفقات بناء مع النظام الليبي السابق. ولكن عندما حل «الربيع العربي» وغيَّر الوضعَ القائم، أُرغمت تركيا على الخروج عن سياسة عدم التدخل هذه؛ حيث قامت بحرق كل جسورها مع الأسد، مورطة نفسها في نزاع لا يبدو أي مؤشر على قرب انتهائه. وفي مصر، يقوم أردوغان حالياً بوضع تركيا على مسار تصدامي مع أكبر بلد في العالم العربي من حيث السكان. غير أنه كان مفاجئاً تخلي تركيا عن مقاربتها الناعمة تجاه المنطقة منذ ذلك الوقت، على اعتبار أن إحدى وصايا سياسة «صفر مشاكل» هو ما أشار إليه وزير الخارجية أحمد داود أوجلو بـ«أخذ مسافة واحدة من الجميع» -أي رفض الانحياز إلى طرف ضد آخر في النزاعات الإقليمية. وهو ما كان دائماً نوعاً من التنظير، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، حيث نادراً ما تفوت الحكومة فرصة لتقوية وتعزيز مؤهلاتها الإقليمية والإسلامية عبر انتقاد الإسرائيليين. وفي أعقاب «الربيع العربي»، يبدو أن سياسة «أخذ مسافة واحدة من الجميع» قد ذهبت أدراج الرياح. والواقع أن مصر ليست البلد الوحيد الذي بات يُنظر فيه إلى تركيا الآن كلاعب منحاز، بدلاً من «حلال مشاكل» محايد. ففي العراق، مثلًا، تحدت أنقرة حكومة المالكي صراحة، متهمة إياها بالتحريض على الصراع الطائفي، ومن ثم الشروع في التفاوض حول صفقات نفطية مع حكومة إقليم كردستان، التي تدير شمال البلاد، من وراء ظهرها. وفي سوريا، قدمت دعماً كبيراً للثوار معارضي النظام وسمحت لهم بالتحرك بحرية على ترابها غاضة الطرف عن فظاعاتهم ومنتقدةً الولايات المتحدة -على ما يقال- لأنها صنفت «جبهة النصرة» التابعة لـ«القاعدة» كمنظمة إرهابية. وإذا كانت مشاكل السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط لا مفر منها، فإن عزلتها في أماكن أخرى يبدو أنها كانت من صنع يديها. ونتيجة لذلك، تواجه أنقرة اليوم خطر العودة إلى عقلية التسعينيات، عندما كان التوتر مع البلدان العربية والأوروبية محتدماً، وكانت نظريات المؤامرة تسمم النقاشَ السياسي، والأتراك يرددون بإخلاص: «لا صديق للتركي غير التركي» -اقتناعاً منهم بأن بلدهم يخضع لحصار. وعلى ما يبدو، فإن أردوغان قد نقل بلده من «صفر مشاكل» إلى بحر من المشاكل الدولية وسيل من أوجاع الرأس. _ _ _ __ بيتر زاليفسكي محلل سياسي متخصص في الشؤون التركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس