منذ عدّة أشهر، تناولت مواقع التواصل الاجتماعي بالسعودية، خبراً يتضمن قيام عدد من وجهاء المجتمع، وعدد من الأكاديميين بتزوير شهادات الدكتوراه، ليحصلوا على وظائف مرموقة في المجتمع، وقد أثار الخبر حينها سخطاً كبيراً بين كافة شرائح المجتمع، وطالبوا بوجوب فتح تحقيق واسع، ومحاسبة المزورين الذين يثبت تورطهم. مؤخراً، نُشر تعليق حول هذا الموضوع! وحقيقة لم أصدّق عيناي وأنا أقرأ مضمونه المشين، بأن السلطات لن تُعاقب المزوّر، في حال ثبت أنه قام باستخدام شهادته المزورة للوجاهة الاجتماعية فقط! منوهة بأن العقوبات ستطال كل من يُثبت استفادته منها في مجال عمله، وسيتم التحقيق معه وشطب اسمه من أي وظيفة حصل عليها بموجب هذه الشهادة الوهميّة! جميل والله هذا القرار! ماذا لو تقدّم شاب لأسرة على أنه حاصل على مؤهل عالٍ من جامعة مرموقة بالخارج، ووافقت عليه الفتاة لأنه يُناسبها اجتماعيّاً وعلميّاً، على أساس أن الفتاة حاصلة على شهادة الدكتوراه بجدارة وليس من الأبواب الخلفية؟! أليس في هذا التصرف بداية لغش مبطن بين زوج وزوجة يجب أن تكون الشفافية أساس الحياة الزوجيّة بينهما؟! ماذا لو اكتشفت الفتاة بعد الزواج بأن الرجل الذي يُشاركها مشوار الحياة كان كاذباً فيما يخصُّ مكانته العلميّة؟! أليس ما يُبنى على باطل فهو باطل، وأن الكذب لا يتجزأ؟! هل من الممكن أن يُصارح الأب ابنه بأنه أشترى شهادته العلمية، أم سيُخفي الأمر عنه كي لا يتبع خطاه؟! قد يقول البعض ما دام حق الدولة لم يمس، فلا ضير من ممارسة الكذب الأبيض؟! هل هذا تبرير مقنع! كيف سنحترم بعضنا، ونحن نعطي ظهورنا لهذه التجاوزات الأخلاقيّة، ونتعامل معها كترف اجتماعي؟! تُرى ما رأي الدول المتحضرة في هذا القرار المخجل، لو سمعت به؟! ألا يكفي أنها تنظر لعالمنا العربي على أنه رجعي متخلّف، لا يُفكّر أكثر من موضع قدميه، ويُعبّر عن آرائه برفع الصوت! تزوير الشهادات العلمية وغض النظر معها في حال استخدامها كواجهة اجتماعيّة، مصيبة كبرى في حق المجتمع بأسره! كيف نتطلع لأن يعرف النشء الجديد قيمة العلم، ويسعى بجهده للوصول لأعلى المراتب، ونحن نقوم بدفعه، لاختيار السبل الملتوية واستخدام الغش لتحقيق ما يُريد؟! إذا وجد الجيل الصاعد الأجيال التي سبقته تستهين بالمبادئ والقيم الأخلاقيّة، كيف سيتمسك بها ويجعلها نصب عينيه؟! كيف سيُقدّر مجتمعه، إذا تيقن بأن مجتمع القدوة التي شبَّ فيه، مغروسة أقدامه في التدليس، وأنه كاذب فيما يخص مشواره العلمي، مستغلاً تسامح الدولة معه لتحقيق وجاهة اجتماعيّة زائفة! رفقاً بالأجيال القادمة. لا يُمكن لها أن تشبَّ على احترام القيم والمبادئ الأخلاقية، والتربة التي تحيا فيها فاسدة، وكل ما حولها يُدار بالكذب، ويتم التغاضي عن السلبيات، بحجة أنها بعيدة عن مؤسسات الدولة الرسميّة؟! إن الأمر للأسف سينتهي مستقبلاً بهذه الأجيال، إلى أن تُذيب بيديها المثل العليا في كوب ماء، ثم تشربه بتلذذ كأن شيئاً لم يكن؟! إن المصيبة أكبر مما نظن! والكذب والنفاق وتزييف الحقائق، خطر حقيقي على عقلية النشء! وليس مبالغاً القول بأن العيون تألف ما تراه! معاقبة المزورين سواء كانوا داخل الهيكل الوظيفي أو خارجه لا ينفصم عراه، فالقضية واحدة وهي الاستهانة بقيم المجتمع والمبادئ الإنسانية التي أقرتها كافة أديان الأرض، لذا يجب أن يكون العقاب متساويا حتّى تشب أجيالنا على احترام الصدق والصراحة، وحتّى لا تتصدّع جدران مجتمعنا بآفة الإفك، التي ستنخر في أساسها إلى أن تتهاوى أمام أعيننا، ولحظتها لن يُجدي العويل!