"إن المملكة تأسف في شدة أن ترى الموقف الدولي تجاه الأحداث الجارية المصرية يتعارض مع الموقف الدولي تجاه الأحداث في سوريا. أين الحرص على حقوق الإنسان وحرمة دمه والمذابح التي تجري كل يوم في سوريا والتي أدت إلى قتل أكثر من 100 ألف نسمة ودمرت سوريا بأكملها من دون أن نسمع همسة من المجتمع الدولي الذي يتشدّق بحقوق الإنسان بحسب ما تقضي مصالحه وأهواءه؟ هذه التبريرات الواهية لا يمكن أن يقبلها عقل أو يرتكن إليها ضمير، ولن نأخذ من يتجاهل هذه الحقائق وينساق وراء الدعايات والأكاذيب الواهية بأنه حسن نية أو جهالة، وإنما سنأخذها على أنها مواقف عدائية ضد مصالح الأمتين العربية والإسلامية واستقرارهما. فمصر لا يمكن أن ينالها سوء وتبقى المملكة والأمة العربية صامتة... إن كل الدول التي تتخذ هذه المواقف السلبية تجاه مصر يجب أن تعلم أن السعير والخراب لن يقتصر على مصر وحدها بل سينعكس على كل من ساهم أو وقف مع ما ينالها من مشاكل واضطرابات... لن نقبل بأن يتلاعب المجتمع الدولي بمصر وأمنها واستقرارها ومصيرها". أن يخرج أعتق وأعرق دبلوماسي عربي هو الأمير سعود الفيصل ليقول هذا الكلام، فهذا يعني أن الكيل قد طفح، وأن كل المساعي والاتصالات والمناشدات والمحاولات للم الوضع في مصر على قاعدة احترام معايير واحدة في النظر إلى الأحداث في مصر وغيرها، قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن ما يسمى بالمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، والذي كانت السعودية بسياستها التقليدية حريصة - إلى حدود اتهامها من قبل خصومها – على دوره وفاعليته والاحتكام إليه، قد تفكك، أو انكشفت فيه لعبة مصالح الأمم تعارضاً أو تقاطعاً بشكل لم يسبق له مثيل. في وقت تبدو مصر دولة وشعباً ومؤسسات مهددة بالانهيار، ويبدو الانحياز الدولي عموماً لمصلحة "الإخوان واضحاً تحت ذريعة أن الرئيس المعزول جاء بانتخابات والشرعية تستمد من صناديق الاقتراع، وهذا يطرح جملة من الأسئلة والملاحظات: - إذا كانت أميركا مؤمنة بالديموقراطية خياراً ونتيجة في صناديق الاقتراع فماذا فعلت مع الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات؟ عندما عاد إلى فلسطين دعا إلى انتخابات وأميركا والغرب كانوا يريدون ذلك. وعندما رشّح نفسه، وهو كان قد عاد بناءً لاتفاق أوسلو، وتوقيع تاريخي في واشنطن، قالوا للشعب الفلسطيني: إذا انتخبتم عرفات لن يكون هناك مساعدات لكم! انتخب عرفات. ساندت محاصريه ومعطلّي دوره وقتلته. وتاريخياً تدعم دولة الإرهاب والاغتصاب إسرائيل وتتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية على أرضه. - وإذا كانت أميركا مؤمنة بالديموقراطية عبر الانتخابات فلماذا ساهمت مخابراتها بالانقلابات والإطاحة بالرؤساء المنتخبين في إيران 1952، وجواتيمالا 1954، والكونغو 1960، والدومينيكان 1962، وفيتنام الجنوبية 1963، والبرازيل 1964، وتشيلي 1973؟ - وإذا كانت أميركا فعلاً ضد استخدام العنف، فلماذا تحمي وتموّل إسرائيل ضد العرب والمسلمين؟ ولماذا ساهمت في خلق طالبان التي تعتبرها مصدر العنف في أفغانستان، ومنها "القاعدة" لاحقاً؟ ولماذا ذهبت إلى مفاوضة "طالبان" في قطر بعد فشل سياساتها في أفغانستان، واستعدادها لسحب قواتها من هناك؟ وهل نسينا تصريح كرزاي المعروف أنه من جاء من أميركا رئيساً لأفغانستان، عندما قال: "إن أميركا تمارس سياسة البلطجة في بلادنا"؟ - كم من الكتب والدراسات والأبحاث والوثائق الرسمية سربّت ونشرت تدين ممارسات الأجهزة الأميركية ضد حقوق الإنسان وحريته الشخصية في الداخل الأميركي وخارجه؟ من التقييد إلى المراقبة إلى التنصت، إلى الاعتقال التعسفي، إلى العنف الجسدي الممارس ضد الناس المتهمين قبل أن يحاكموا؟ إلى السجون المتنقلة في العالم وأبرزها جوانتانامو؟ - وهل احترمت أميركا حقوق الإنسان في العراق؟ أم أنها دمّرت بلداً كاملاً وعبثت بكل شيء فيه وتركته لعابثين إقليميين ومحليين بأمنه واستقراره، وزرعت بذور فتنة مذهبية وطائفية فيه، وأهدرت الثروات وأفقرت الناس تحت عنوان أسلحة الدمار الشامل ومواجهة نظام صدام حسين الذي كان مدعوماً من قبلها، وهو الذي ارتكب مجزرة حلبجة ضد الأكراد وأذل الناس وقهرهم وتسبب بما جرى لاحقاً في البلاد؟ وكم من الأنظمة الدكتاتورية دعمت، ومن القرارات الدولية منعت من الصدور في مجلس الأمن في سياق هذه السياسة، وتركت الإرهاب يضرب في أمكنة كثيرة وخصوصاً في منطقتنا، وبالأخص على أرض فلسطين، وفي استهداف إسرائيل لدول وشعوب عربية كثيرة؟ - التقيت منذ مدة أحد المسؤولين العرب الذي التقى بدوره مرات عدة وزير الخارجية الأميركية جون كيري، ويتابع الوضع السوري "ومفاوضات السلام" عن قرب. قال لي: "الأزمة السورية فضحت أميركا أمام العرب. وقلت هذا الكلام لكيري وغيره. يبدو اليوم أنهم ذاهبون إلى موقف جدّي من النظام السوري. يبدو أنهم يملكون أدلة وعينات وحالات عددها سبع على الأقل تؤكد تورط النظام في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الناس. وهذا يكشف التزامهم بعدم السماح بذلك لإنه يتجاوز الخط الأحمر المرسوم! وبالتالي يجب أن تتوقع تغييراً في الموقف الأميركي". لم أوافق المسؤول العربي على كلامه. وقلت له: عيّن خيراً؟ أي انتظر.. أكبر كذبة هي السياسة الأميركية خصوصاً في منطقتنا. اليوم وبعد أيام قليلة على كلام الأمير سعود الفيصل ارتكبت مجزرة الغوطة بالأسلحة الكيميائية. مشهد لا يمكن وصفه. الأطفال والشيوخ والناس والشباب ممددون على الأرض بالمئات. لا دماء ولا آثار حرب عليهم، قتلوا مسمومين بالغاز، والموقف الأميركي: أسفٌ لما جرى. ولا بدّ من التحقيق! أين حقوق الإنسان؟ أين الديموقراطية؟ أين الحرية؟ أين قواعد الشرق الأوسط الجديد التي تحدثوا عنها؟ أليس هذا ما رمى إليه الأمير سعود الفيصل في تعليقه على الموقف الدولي عموماً والأميركي خصوصاً، ولو دون تسمية لناحية المقارنة بين ما يجري في مصر وما يجري في سوريا؟ هل تدرك أميركا ماذا يعني هذا الموقف السعودي؟ وهل يدرك الغرب معها ذلك؟ السعودية الحليف الأقرب والصديق الأكثر تعاوناً عندما يصل موقفها إلى هذا الحد، ألا يستوجب الأمر تفكيراً في مدلولاته؟ وهل سيبقى الموقف الأميركي على ما هو عليه حتى إجراء الانتخابات عام 2014 في سوريا، وانتخاب الأسد رئيساً لولاية جديدة ، في ظل تهجير الملايين إلى خارج البلاد، وداخلها، وعدم القدرة على التعبير عن الرأي والتأثير في النتائج، ليقولوا إن الشرعية هي في صناديق الاقتراع؟ ولتبقى سوريا غارقةً في الحرب؟ "مصر الجديدة" مدعوة إلى الاستفادة من الموقف السعودي، بحضور سياسي دبلوماسي إعلامي مميز، وبحركة داخلية تنطلق من الأسس التي أعلنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي لناحية تأكيد حق الناس في المشاركة وشرف حماية هذا الحق لديه الذي يتقدم على أي أمر آخر والإسراع في الحل السياسي على قاعدة خارطة الطريق، والمعارضة السورية مدعوة أيضاً إلى الاستفادة من هذا الموقف ومن المجزرة والتطورات التي جرت للقيام بحركة جدية لتوحيد صفوفها على أساس برنامج يؤكد التنوّع والديموقراطية والوحدة. ومن الموقف السعودي تقرأ التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة منذ بداية "الثورات العربية" وموقف الغرب وما يسمى بالمجتمع الدولي منها، وللحديث صلة.