كان الاثنين الماضي يوماً مشهوداً في مجال تطوير سياسة العقاب على الجريمة في الولايات المتحدة، حيث أعلن النائب العام «إريك هولدير الابن» أن على المدّعين العامين الاتحاديين ألا يعمدوا إلى إصدار الأحكام المخففة في قضايا مخالفة قوانين مكافحة المخدرات حتى لو كانت ذات حجم ضئيل أو غير مصحوبة بالعنف. وقال القاضي الاتحادي، إن لسياسة «أوقف ثم فتـّـش» المتبعة في نيويورك نتائجها السيئة وغير الدستورية على شباب الأقليات. والآن جاءت اللحظة المناسبة لمناقشة هذه القضية. ففي فترة عقدي الثمانينيات والتسعينيات، أدى الانتشار الواسع للاتجار بالكوكايين المعالج، الذي ترافق مع انتشار مماثل للمسدسات والأسلحة اليدوية نصف الآلية، إلى ارتفاع صاروخي في حوادث القتل في عموم أميركا، خاصة بين الشبان السود واللاتينيين. وأصبحت منطقة العاصمة «ديستريكت كولومبيا» تضاهي مدينة «دودج سيتي» في انتشار جرائم القتل عندما ارتفع معدل عدد الضحايا فيها إلى 500 قتيل سنوياً. وباتت عصابات المخدرات تتحكم بالفعل في معظم أحياء المدينة، ولم يعد للسكان الذين يعلنون طاعة القوانين مكان في بعض الشوارع الرئيسية. وفي محاولات يائسة للاستجابة لطلب المواطنين الأبرياء للحماية واستعادة الأمن العام، تبنى المسؤولون خططاً هجومية عنيفة وأحكاماً مبالغ في قسوتها لمعاقبة مخالفي القوانين. وكان من نتيجة ذلك أن اكتظّت السجون بالمزيد من النزلاء الجدد. وعندما أصبحتُ قاضياً اتحادياً في "ديستريكت كولومبيا" عام 1990، كانت الحرب على المخدرات على أشدّها، ولم تكن دوريات الشرطة تتوقف عن تفتيش الرجال السود في الشوارع، فيما كان القضاة يصدرون الأحكام الجائرة بالجملة على مخالفي القوانين حتى في القضايا التي لا علاقة لها بالمخدرات. وتتلخص النظرية التي اتبعت في ذلك الوقت في أنه كلما زادت مدة الأحكام بالسجن كلما نجحنا في وقف التجارة بالمخدرات ومكافحة العنف لمدة أطول. إلا أن النتيجة كانت مختلفة تماماً؛ لأن ذلك أدى إلى تزايد أعداد المساجين بشكل كبير. وأصبحت الولايات المتحدة أكبر «دولة سَجّانة» في العالم عندما تجاوز عدد نزلاء السجون من الأميركيين وحدهم المليونين. وكنت في ذلك الوقت قد انتُخبت نائباً عاماً لمقاطعة «جورج كاونتي» بولاية ميريلاند عام 2002. وبدا لي من الواضح أن تلك الحرب ضد المخدرات توشك على تدمير مجتمعات السود برمتها. وكان سكان المناطق المجاورة لتلك التي يسودها التوتر يطلبون المساعدة الأمنية؛ لأنهم يعرفون أننا لم نفلح في حل المشكلة. وحمل هؤلاء فكرة متوازنة حول الحل المنشود. فلقد أيدوا إصدار الأحكام القاسية بحق المخالفين الأكثر ميلاً للعنف، إلا أنهم أوصوا بفكرة منح الفرصة لمخالفي القانون للمرة الأولى والذين خضعوا للعلاج ضد الإدمان عن طريق إشراكهم في برامج خاصة لتعليمهم وتدريبهم على مزاولة المهن وتوجيه النصح والإرشاد لهم. وفيما يرى مستشارونا السياسيون أن علينا أن نتنكب جانب القسوة المفرطة في معالجة قضايا الجرائم، إلا أن الناخبين ما فتئوا يطالبوننا بأن نسخّر الذكاء في البحث عن حل لمشكلة الجريمة. وأخيراً، بدأنا نصغي بإمعان لهذه الرسالة الأخيرة. وفي هذا الوقت بالذات، بدأ المسؤولون المحليون بالتساؤل عن الحكمة الكامنة في ملء السجون بالنزلاء. وكان للفاتورة الباهظة لإدارة السجون الملأى بالنزلاء أن تلفت نظر المسؤولين المحليين حتى في الولايات التي يحكمها المحافظون مثل آلاباما، إلى أهمية البحث عن وسائل بديلة مثل المراقبة الإلكترونية للشوارع والحارات وبقية الحلول التي يمكنها أن تغني عن الحاجة للسجون. وبالفعل، تمكنت بعض المعاهد البحثية في الولايات المتحدة من تطوير تقنيات جديدة أطلقت عليها مصطلح «استراتيجيات لتخفيف العنف» يمكنها أن تؤتي ثمارها في الأحياء التي تنتشر فيها الجريمة على نطاق واسع. وتأتي هذه التقنيات لتتوج حكمة بليغة تعلّمها رجال الشرطة والقضاة تقضي بأن الجمع بين طريقة الحصول على المعلومات من قادة المناطق المجاورة للأحياء الموبوءة بالجريمة المنظمة، والتوسع في استخدام التكنولوجيات المتخصصة بالتعقب الآلي لمثيري الشغب، يمكن أن يكون أكثر فعالية من ملء الشوارع بدوريات الشرطة وتوقيف وتفتيش الناس من دون طائل. وفيما تتجلى القيم الإيجابية لهذا التطور، فإن من المبكّر القول إننا أصبحنا على أعتاب تحقيق الانتصار على شبح الجريمة المنظمة. وكان من الواضح أن استجابة صقور الجناح الميّال لاتباع الطرق العنيفة في التعامل مع المشتبه فيهم، بمن فيهم رئيس بلدية نيويورك وقائد دوريات الشرطة الجنائية، قد تجلّت في معارضة كل إجراء يقضي بتغيير الأساليب العنيفة المتبعة، وقد واصلوا التعبير عن اعتقادهم بأن سَوْق المزيد من الناس إلى السجون يبقى الحل الأمثل. فكيف يمكننا الخروج من هذا الجدل والتوصل إلى الحل المنشود؟ ينبغي العمل بحرص تام على انتخاب رؤساء البلديات والقضاة ورؤساء أقسام الشرطة الصالحين، الذين سيكون لهم تأثير كبير على احتواء الأمور بأكثر مما سيكون لأجهزة المراقبة الإلكترونية. ومن الضروري إزالة كافة مظاهر التفرقة العرقية عند إصدار التشريعات والأحكام القضائية. ولا بد أن يشارك ائتلاف دعاة العمل بالأسلوب الذكي للتحكم في الجريمة في صلب العملية التشريعية. ومن الضروري أيضاً توحيد طرق معالجة الجريمة وإصدار التشريعات والقوانين بحيث يجري تطبيقها على نسق واحد في كل الولايات والمقاطعات. ومن الجدير الاعتراف بأننا ما زلنا بحاجة إلى دراسات دقيقة وأمينة يمكنها أن ترشدنا بطريقة منهجية إلى الاستراتيجيات المضادة للجريمة الأكثر صلاحية للتطبيق، وبشرط أن تقنعنا تلك الدراسات بسبب اختيارها. وفيما أصبحنا ندرك العواقب التي أدت إليها حربنا على المخدرات، والتي لم تؤتِ ثمارها وخاصة في مجتمعات السود، فإننا نحتاج الآن للاهتداء إلى وسائل جديدة أكثر فعالية لبلوغ هذا الهدف. ------ جلين آيفي قانوني أميركي ونائب عام سابق ------ ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست« و«بلومبيرج نيوز سيرفس»