ما أشد الغضب الذي يشعر به كثير من المصريين على الولايات المتحدة وسياسة إدارتها تجاه الأوضاع الراهنة في بلدهم بعد انتفاضة 30 يونيو. فقد بلغ هذا الغضب أعلى مبلغ في تاريخ العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وخاصة منذ إعلان أوباما الخميس الماضي إلغاء مناورات «النجم الساطع» ومراجعة مجمل العلاقات بين البلدين في اليوم التالي لقيام قوات الأمن يفض «اعتصامي» رابعة والنهضة. ويرتبط هذا الغضب باعتقاد مفاده أن الولايات المتحدة تتحدى إرادة الشعب المصري الذي يتطلع إلى تحقيق حلمه في الحرية والعدالة والكرامة، وتتآمر عليه، وتساند جماعة «الإخوان» حتى بعد أن ثبت فشل سلطتها وخطرها على الدولة، وخرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين من أجل التغيير ثلاث مرات في أقل من شهر واحد (30 يونيو و3 يوليو ثم 26 يوليو). ويقود هذا الغضب إلى انعدام ثقة في كل ما يصدر عن الولايات المتحدة دون تفكير فيه. ولذلك فمثلما يرفض معظم المصريين استمرار السفيرة الأميركية الحالية لدى القاهرة «آن باترسون»، يعترضون على ترشيح روبرت فورد خلفاً لها حتى قبل إعلان هذا الترشيح رسمياً. ويصعب لوم المصريين الذين يتحول غضبهم هذا على السياسة الأميركية إلى عداء للولايات المتحدة. فلم يقدّر صانعو هذه السياسة مغزى رفض معظم المصريين سلطة «الإخوان» السابقة وإصرارها على أن تضع جماعة فوق شعب بأكمله، وأن تهيمن على مفاصل الدولة وتغير هويتها وتفرّط في بعض ثوابت أمنها القومي. كما لم يفهموا دلالة فرح معظم المصريين بالخلاص من هذه السلطة عبر انتفاضة لا سابقة لها. فقد استهانت واشنطن بآلام المصريين وآمالهم، وتعاملت معها ببرود سياسة محفوظة في «فريزر» ثلاجة دون مراعاة سخونة مشاعر شعب في لحظة فارقة في تاريخه. كما أهانتهم عندما اختزلت انتفاضتهم الكبرى في دعم الجيش لها، ولم تعترف بحقهم في إنقاذ وطنهم. وتعامل مسؤولون أميركيون معهم باستعلاء، بدءاً من السفيرة باترسون وليس انتهاءً بالسيناتور جون ماكين الذي لم يبالِ بمشاعرهم عندما ذهب إليهم في عقر دارهم يوم 6 الجاري ليصف انتفاضتهم التي يفخر كل منهم بدوره فيها بأنها انقلاب عسكري، فيحصد عداء شعبياً لا يباريه فيه أحد. غير أنه مهما كانت قوة الأسباب التي يستند عليها الغضب الشعبي المصري العارم على السياسة الأميركية، يظل السؤال الضروري هو: ماذا بعد كل هذا الغضب، ولمَ لا نحاول فهم دوافع تلك السياسة ومحركاتها. فلا يصح أن يبقى هذا الغضب عائقاً أمام التفكير في منطق سياسة دولة كبرى لا يفيد مصر توتر العلاقات معها، والتساؤل عن إمكان تغيير هذه السياسة عبر حوار جاد. والحال أن الغضب يحول، حين يبلغ مستوى معيناً، دون التفكير فيما إذا كان ما يغضب يستند إلى منطق ما يمكن مناقشته. والحال أن سياسة الولايات المتحدة لا يمكن أن تخلو من منطق يعتقد أصحابه في سلامته، وقد يمكن إقناعهم بخطئه. ويتلخص هذا المنطق في أن منح فرصة كاملة لما يسمى «الإسلام السياسي المعتدل» هو السبيل للقضاء على «الإسلام الجهادي المتطرف والمسلح» أو محاصرته. وتعود بداية طرح هذا المنطق إلى مطلع العقد الماضي حين تنامى خطر تنظيم «القاعدة» ونجح في ضرب قلب الولايات المتحدة في سبتمبر 2001. ودار جدل طويل وصعب في الأوساط السياسية والأكاديمية الأميركية حول العلاقة بين «الإسلام السياسي» الذي تمثل جماعة «الإخوان» المنتشرة عالمياً أقوى حركاته، وتنظيم «القاعدة» بمنهجه العنيف وممارساته الإرهابية. وقد ظل الاتجاه الذي يعتقد في إمكان الاعتماد على الوجه المعتدل لمحاصرة الوجه المتطرف الإرهابي ضعيفاً، ولكنه تنامى بسرعة فور صعود جماعات «الإخوان» وأحزابهم في البلاد التي حدث فيها تغيير أخيراً وفي مقدمتها مصر. ويبدو السيناتور ماكين "نموذجاً" فجاً للانقلاب الذي حدث في موقف كثير من السياسيين الأميركيين الذين تحولوا من اعتبار «الإخوان» وعاءً خرج منه إرهاب «القاعدة» وغيره إلى احتضانهم والرهان على دورهم في محاصرة هذا الإرهاب. ولذلك أغمضت واشنطن عينيها عن إهدار حكم «الإخوان» في مصر قواعد الديمقراطية ودولة القانون بسبب الرهان على أن يكون نجاحه ضربة قاصمة للإرهاب. ولذلك أصابها قلق شديد من أن يؤدي عزله إلى استعادة «القاعدة» ومنهج التغيير بالقوة المسلحة زمام المبادرة وتصاعد الإرهاب مجدداً وحصوله على زخم أكبر. ومن الطبيعي أن يشتد هذا القلق حين ترد قيادة «الإخوان» على عزل مرسي باستخدام الإرهاب، الذي نشط في سيناء على الفور بصورته التقليدية، وامتد إلى القاهرة ومناطق أخرى في شكل يجمع بين العنف المدني والعنف المسلح، ثم تصاعد بشدة فور فض «الاعتصامين» اللذين تحولا إلى معسكرين مسلحين. غير أنه ليس صعباً إقناع الأميركيين الذين ذهبوا بعيداً في الرهان على سلطة «الإخوان» بخطأ هذا المنطق استناداً على وقائع، أو ما يسمى أدلة تجريبية، وليس من خلال نقاش نظري من النوع الذي استمر عشر سنوات بين مطلع العقدين الماضي والحالي. فما أسهل تفكيك هذا المنطق عبر إثبات أن سلطة «الإخوان» في مصر دعمت الإرهاب في سيناء بشكل غير مباشر. فقد أصدر رئيسها قرارات بالعفو عن عشرات من الإرهابيين كانوا مسجونين بموجب أحكام قضائية نهائية، وفتح الباب أمام دخول أعداد كبيرة من أمثالهم وكميات هائلة من الأسلحة إليهم في سيناء. كما فرض قيوداً على تحرك قوات الأمن والجيش لمواجهة الجماعات المسلحة في سيناء عقب اغتيال 16 جندياً مصرياً في رفح في أغسطس 2012، في الوقت الذي صار فيه بعض قادة الإرهاب يتحركون في مصر بحرية تامة كما لو أنهم ما زالوا في جبال أفغانستان. وفي هذا السياق تحديداً ينبغي النظر إلى كلام الظواهري، في التسجيل الصوتي الذي بثته مواقع «جهادية» في 3 من الشهر الجاري تحت عنوان «صنم العجوة الديمقراطي». فقد قرأ بعض الأميركيين هذا الكلام من عنوانه فقط، واعتبروه تأكيداً لقلقهم من أن يؤدي عزل مرسي إلى دعم منهج «القاعدة» الذي يرفض الديمقراطية ويعتبر العنف هو السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة. ولم يقرؤوا ما ينطوي عليه من دفاع شديد عن مرسي بعد أن أدرك قادة «القاعدة» عبر تجربتهم مع سلطته أن منهج «الإخوان» ليس وجهاً آخر بل قناعاً يحجب فكرهم العنيف عن الناس ولكن ليس عن الواقع. ولذلك ينبغي السعي إلى إقناع صانعي السياسة الأميركية بأن استمرار سلطة «الإخوان» كان من شأنه تحويل مصر إلى دولة راعية للإرهاب على نحو يجعل الحرب ضده من أصعب ما يكون.