عُرفت الزَّاهدة رابعة العَدويَّة في كتب الأولين والمتأخرين، لكنها اشتهرت في الإعلام بعد اختيار مسجدها مكاناً للتظاهر السياسي، ولا نعلم هل جاء اختيار المكان صدفة أم بتخطيط لهذه الرمزية؟ فقد خطب عضو مجلس شورى «الإخوان» محمد البلتاجي، معتبراً المكان والموت فيه كـ«يوم الخندق»، قال: «لما رأى المؤمنون الأحزاب ثم وقف النَّبي، صلى الله عليه وسلم، يضرب ضربته فيقول: فتحت قيصر الله أكبر، فتحت كسرى الله أكبر، فتحت المدائن. ثم قال المنافقون: يعظكم محمد بفتح قيصر وكسرى ولا يستطيع أحدكم أن يخرج مِن الحصار إلا والكمائن تحيط به مِن كلِّ مكان... لكن المؤمنين الصَّادقين الذين يقدمون أرواحهم ونفوسهم لا لأجل مصلحة ولا منصب ولا مغنم ولا لشيء من الدنيا، والله شيء محير يربك خصومكم الذين لا يؤمنون بالله وبالآخرة» (الأحد 11 أغسطس 2013)! قال البلتاجي هذه الخطبة، بتصرف مما جاء في السيرة النبوية في شأن «الخندق» (الخامسة هجرية)، قبل البدء بفض الاعتصام (الأربعاء 14 أغسطس)، بمعنى أن كلَّ مَن يعارض «الإخوان» ليس مؤمناً، وأي معركة يخوضها «الإخوان» بتصويرها على أنها معركة مَن أجل الدين، فهم المؤمنون «الصَّادقون»، «لا لأجل مصلحة ...» حسب البلتاجي! هذا هو الخطاب المشوش للدين. وددت الإشارة إلى الرمزية التي اتخذها «الإخوان»، وطلبوا من المعتصمين الثبات كثبات المسلمين في «الخندق»، وما هي النِّية في توظيف الدين وسيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في شـــأنٍ حزبي. هذا هو الخوف مِن هذه القوى في اعتبار الآخرين كفاراً، وهجومهم على الكنائس والدوائر يقدمون برهاناً أنهم ليسوا بناة دولة وحافظي وحدة الوطن؟ وكأنهم لم يقرؤوا: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكَرُ فِيهَا اسْمُ الله» (الحج: 40)! فالصَّوامع للرُّهبان، والبيع كنائس المسيحيين والصَّلوات معابد اليهود والمساجد للمسلمين (السَّيوطي، تفسير الجلالين)! هنا تأتي الكنيسة والصلاة والمسجد، هم على ما يبدو يتحدثون عن دين آخر! هناك مفارقة بين رمزية العدوية في الزُّهد ورمزيتها الآن في السِّياسة، وها هو المكان والزَّمان يتحولان إلى «الخندق»! فالناس عندما يستمعون للأخبار ينسون أن رابعة في حوادث مصر هي مكان لا شخصية، بل يأخذهم الوهم بعيداً إلى اعتبارها جزءاً مِن العراك الحزبي، وبين الرَّمزيتين كما مِن الأخبار، ما يخص المغالاة في ترجمة حياتها وفي ما حدث داخل مسجدها، فبين حين وآخر نسمع خُطباء يتحدثون عن رش الرُّكع السُّجد بالرَّصاص، لأنهم يصلون! عندما يختلف المؤرخون حول شخصية عليك حِساب دور الإخباريين؛ فالعدوية البصرية تداخلت أخبارها مع رابعة الشَّامية ابنة إسماعيل وزوجة ابن أبي الحواري الكاتب (ت 230 هـ). ورد التداخل في أهم مصدر عن رابعة «صفوة الصَّفوة» لابن الجوزي (ت 597 هـ)، الذي جعل قبر الشَّامية قبراً للبصرية بالقدس، يقول الحموي (ت 626 هـ): قد اشتبه على الناس فقبر البصرية بالبصرة وهذا قبر الشَّامية (معجم البلدان). ولكم القياس كم ضريحاً صار ضريحاً لغير صاحبه المشهور به، بل كم ضريحاً لا وجود لرفات فيه إلا في المخيلة! وكم دماء سفكت حوله. وأقول: أيتهما صاحبة المسجد الذي صار مكاناً للاحتجاج: الشَّامية أم البصرية؟ وهذا الذهبي (ت 748 هـ) في «تاريخ الإسلام» يذكر توهم ابن الجوزي، في حياة الرابعتين، وكذلك توهم ابن خلكان (ت 681 هـ) بين الرابعتين (وفيات الأعيان). وجد المقدسي (ت 380 هـ) قبرها بالبصرة (أحسن التقاسيم)، أما الجاحظ (ت 255 هـ) فيذكرها في «الحيوان» و«البيان والتَّبيين» برابعة القيسية، ولا يأتي بخوارق لها، فعلى ما يبدو أن ما نُسب إليها وضعه المتأخرون. ولوفاة العدوية تاريخان (135 هـ) و(185 هـ). عُرفت رابعة بالعشق الإلهي، ولا نعلم أيهما الشَّامية أم البصرية، ما سماه ابن عربي (ت 638 هـ) بـ«الحب المعلول»: «قول المرأة المُحبة، يُقال إن هذا القول لرابعة العدوية المشهورة» (الفتوحات المكية)، ومِن هذا صاغوا عبارة العشق الإلهي. عندما يُمثـَّـل التاريخ يتعرض إلى تشويه لاعتبارات الإثارة، وبما أننا الأكثر تأثراً بالماضي فلا يُستحسن تمثيله بأعمال درامية، فقد يأتي بنتائج سيئة، خصوصاً أوضاع المنطقة، فالماضي ما زال يوجه حاضرنا ومستقبلنا، وما صدر مِن فتاوى وممارسات عند مسجد العدوية بالقاهرة يفصح عن ذلك. فترى المتظاهرين بهيئاتهم وتصرفاتهم لا يمتون إلى الحاضر بشيء. القصد ظل الفيلم الذي مثلته أم كلثوم (ت 1975)، وبث مِن زمن بعيد عن العَدوية، حيَّاً، وهو اعتمد على الروايات المضطربة. ومَن يدري ستتداخل الأزمنة وتصبح رابعة العدوية ناشطة في الإسلام السِّياسي، ومساندة لما يجري حول مسجدها! قيل إنها رُشحت زوجة لرجل ثري، غلته يومياً ثمانون ألف درهم بالبصرة، ولم يُذكر أنه كان أميراً مثلما شاع، ولما طلب يدها كتبت له: «إن الزُّهد في الدنيا يُريح القلب والبدن» (ابن خميس، مناقب الأبرار)، لقد بالغ الصوفيون برابعة، مع عدم تشخيص أيتهما المقصودة البصرية أم الشَّامية، فكتب العطار (ت 627 هـ): «سلكت رابعة الطريق إلى الكعبة في سبع سنوات، سلكته زاحفة على جنبها» (منطق الطير). كذلك نسج العطار قصة دارت بين رابعة والحسن البصري (ت 110 هـ): «رأى رابعة جالسة على شاطئ الفرات، فألقى على الماء سجادته ووقف عليها وقال: تعالي لنصلي ركعتين على الماء، فقالت سيدي: أهي هذه الدنيا ما تريد أن تظهره لأهل الآخرة؟ أظهر لنا شيئاً لا يستطيع جمهور الناس أن يفعلوه. قالت هذا وألقت سجادتها في الهواء، وصعدت عليها، وصاحت: تعال يا حسن، نحن هنا في مكان آمن وأبعد عن عيون الناس. وقالت: سيدي ما فعلت أنت يستطيع السَّمك أن يفعله، وما فعلتُ أنا يستطيع الذباب أن يفعله» (تذكرة الأولياء). يبدو أن متظاهري مصر، من أهل «الشرعية» وأهل الثورة، اتخذوا الأماكن حسب رمزيتها، العدوية للتعبير عن التقوى واستقطاب الماضي، والمتظاهر في هذا المكان يتلفع عباءة الزَّاهدة، والاسم كما نرى يجذب الأنظار وينسي اختلالات المتظاهرين وقد يبرر الأكاذيب، أما الآخرون فمكانهم ميدان التحرير، وهو رمزية أخرى، وإن صلى فيه يوسف القرضاوي صلاة «الانتصار» لـ«الإخوان»، إلا أنه يبقى مكاناً بعيداً عن التباس السياسة في الدين، فهو مسجد قبل أن يكون ساحة معركة بين «الإخوان» المؤمنين والآخرين الكفار!