مع استمرار أزمة الداخل المصري، هل يُعيد تاريخ العرب الحديث نفسه؟ هل يتكرر ما سُمي «الحرب الباردة العربية»، ولكن في سياق عالمي تحرر من حربه الباردة، بينما قد ندخل نحن فيها مع فاعلين إقليميين جدد؟ ما أوجه التشابه والاختلاف بين «الحربين»؟ أقتبس تعبير «الحرب الباردة العربية» من أحد ثقاة القرن الماضي، وهو «مالكولم كير»، مدير دراسات الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا والذي ارتبط تاريخه الشخصي والعلمي بمنطقتنا، حيث أصبح «كير» رئيساً للجامعة الأميركية في بيروت، ورفض مغادرة لبنان رغم اشتداد الحرب الأهلية هناك، ثم تم اغتياله في عام 1982، وهو يتهيأ لدخول مكتبه في رحاب الجامعة. اختفى الرجل ولكن - كما هو الحال مع القمم – لم يختف تراثه. فقد كان أستاذاً بالمعنى الواسع لهذه الصفة، حيث تعدى مسلكه وتأثيره المكانة العلمية الرفيعة. وأتذكر مقابلتنا الأولى في نهاية السبعينيات في مقتبل حياتي الأكاديمية وأثناء تواجد كل منا في القاهرة، ثم دعوتي لحضور إحدى محاضراته في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عندما كان هذا المركز في أوج قمته كمنارة للعلم والحوار الخلاق. وكعادة الشباب الصغار في مواجهة الشيوخ والقمم، كان اعتراضي وانتقادي - رغم منطقيته - متشدداً وعنيفاً. كان رده لطيفاً وهادئاً، ولكن ما أخجلني هو سلوك هذا الشيخ بعد نهاية المحاضرة: ترك المناقشة مع بعض المخضرمين مثله ثم توجه إليّ، حيث كنت أجلس ودعاني لتناول القهوة معاً. وهكذا كانت بداية صداقة تقوى مع اختلاف الأجيال وتفاوت في الرأي وحتى الرؤية، بل حتى كان يتهيأ الفرصة للقاء والزيارة عندما يأتي من كاليفورنيا إلى الساحل الشرقي في الولايات المتحدة أو كندا، وكنت أكرر إعجابي بتعبيره المناسب عن «الحرب الباردة العربية». بالرغم من ذيوع شهرة هذا التعبير، فإنه ظهر في كتيب صغير في بداية السبعينيات، وكان هدفه وصف حالة العلاقات العربية - العربية في نهاية الخمسينيات وحتى حرب عام 1967. كانت هذه الفترة فترة توتر شديد فيما يتعلق بالتوجه الأساسي للمنطقة العربية، حيث انقسم العالم العربي إلى معسكرين متناحرين، يصر كل منهما على تخوين الآخر أو تكفيره، كان يتزعم ما سمي «المعسكر الثوري» مصر الناصرية، أما المعسكر المضاد فتزعمته المملكة العربية السعودية التي لم تكن تقف بالمرصاد للمعسكر الثوري عقائدياً فقط، بل كانت أيضاً تدافع عن وجودها نفسه بعد قيام الانقلاب العسكري في اليمن، ثم إعلان الجمهورية ووصول أفواج الجيش المصري للاحتشاد حتى الحدود السعودية. وبالرغم من أن هذه الحرب الباردة العربية كانت تعكس بعض الشيء الحرب الباردة العالمية بين الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي، وبالتالي قسَّمت المنطقة بين جمهوريات وملكيات، إلا أن كل معسكر كان له خلافاته الداخلية، كما هو الحال بين عبد الناصر وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، خاصة بعد الوحدة المصرية – السورية. ولكن «المبدأ الجمهوري الثوري» في مواجهة «المحافظة على النظام الملكي» جعلت الخلافات داخل كل معسكر غير ذي أهمية. ثم جاءت حرب عام 1967 بنتائجها الكارثية على المنطقة العربية ككل لتؤدي إلى انسحاب القوات المصرية من اليمن، وانكفاء المعسكر الثوري في مصر أو سوريا على مواجهة إسرائيل وأولوية لم الشمل لتحرير أراضيها الواسعة التي تم احتلالها فيما سمي بحرب «الأيام الستة». أما الحرب الباردة العربية التي تبدأ بوادرها في إطار «الربيع العربي» تتشابه مع ستينيات القرن الماضي، ولكن تختلف أيضاً. يأتي التشابه من أنها لا تزال تتركز - على الأقل علينا - على نوعية الحكم في المنطقة العربية: الطريق الثوري أم لا، كما أن مصر لا تزال قاعدتها، وتمثل السعودية مع معظم الملكيات أهم أقطابها، كما نرى أيضاً غياب الجامعة العربية أخيراً، بعد محاولات أولى فيما يتعلّق بالحروب الدائرة في ليبيا وسوريا، والتي عكست ليس تغير الجامعة إلى منظمة نشطة، ولكن سيطرة دول مجلس التعاون وتوجيهها ضد القذافي أو بشار. ولكن اختلافات الحرب الباردة العربية في القرن الـ 21 أكثر بكثير من مثيلتها في القرن العشرين، فبالرغم من الكليشيهات المكررة عن القدس أو فلسطين، إلا أن قضية العرب المركزية هذه لا تذكر إلا قليلاً وعابراً، بينما كانت هي المحك ومعيار الحكم على السياسات في الحرب العربية الباردة الأولى، حتى أنها أدت في النهاية إلى اندفاع عبد الناصر إلى طلب سحب القوات الدولية الفاصلة بين مصر وإسرائيل، مما سهل الهجوم الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن. أما المحك الجديد حالياً هو العلاقة مع جماعة «الإخوان» وفروعها المختلفة وكيفية التعامل معها، كما يختلف أيضاً أعضاء التحالفات المختلفة إقليمياً ودولياً، فليس خط القطيعة أو الصدام النظام الجمهوري في مواجهة النظام الملكي، حيث إن أعضاء كل معسكر يحتوي على خليط من الجمهوريات والملكيات. فالمعسكر المضاد لجماعة «الإخوان» يضم معظم دول الخليج، ولكن أيضاً جمهوريات «ثورية» مثل الجزائر، كما أن المدافعين عن «الإخوان» يضمون جمهوريات مثل تركيا أو تونس، ولكن أيضاً ملكيات مثل قطر. وهناك تغير مماثل على المستوى الدولي، فروسيا والصين الاشتراكية تقف مع معسكر تتزعمه السعودية، بينما أقوى حلفاء السعودية من الولايات المتحدة إلى دول الاتحاد الأوروبي تقف في معسكر تتزعمه قطر وقناة «الجزيرة» تعكس تشابكات وتعقيدات الحرب الباردة العربية، في القرن الواحد والعشرين تعقيدات النظام العالمي نفسه بعد أن تخلّص من الحرب الباردة العقائدية الخاصة به.