مازلتُ أذكر الحلقات الـ 16 التي رأيتها في التلفزيون الألماني، في ثمانينيات القرن الماضي، ثم رأيت نظيرها في مونتريال من كندا بإنتاج جديد يعود إلى عام 2009 أيضاً بـ 13 حلقة، فأضافت فوق المعلومات معلومات وفوق الآلام آلاماً. هذه الحرب المروعة التي يجب أن لا تنسى، ويجب أن تدرس لأبنائنا وأحفادنا، لأن البشر الذين قتلوا في ساحاتها كانوا مثلنا، ولكن حظهم السيئ كانت ولادتهم بين هذه الأعوام 1915- 1945 وفي الساحة الأوروبية على وجه الخصوص، وهناك ما يبرر للأوروبيين أن يحتفلوا بمناسبة مرور أكثر من نصف قرن على انتهاء هذه الحرب، أو بالأحرى الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي مثلت ذروة العنف الإنساني، في كل تاريخه المكتوب والمعروف. في مدة ست سنوات كانت الحصيلة مقتل ما يزيد على 50 مليوناً من البشر، وأكثر من 80 مليون جريح ومعاق ومفقود. خسر فيها الروس لوحدهم أكثر من عشرين مليون إنسان، وخسر الألمان ما يزيد على ستة ملايين من البشر، وأصبح أكثر من مليون طفل ألماني يتيماً، وهاجر وهُجِّر ما يزيد على عشرة ملايين من الألمان من مناطق إلى خارج ألمانيا، تلك التي كانوا يشكلون فيها غالبية سكانية مثل السوديت في تشيكوسلافاكيا، وبروسيا في بولندا، فمات منهم في الطريق ما لا يعلمه إلا الله، ودفع العالم مبلغ (تريليون و384 مليار دولار) ثمناً لنفقات الحرب، واظلمت مدن أوروبا على مدار السنوات الست. كانت «الرياح الثلجية الآتية من الشرق تصفع الوجوه التي أكلتها والتهمتها اللحى الطويلة، وآلاف من البلورات الصغيرة، كانت تمزق هذه الوجوه، وكأنها شفرات موس حلاقة، وعندما يفقد واحد من هؤلاء الرجال، كل قدرة له على الحركة، بل عندما يفقد الخوف من الموت كل معنى له، لا يلبث جسده الخاوي أن يتساقط، ويتجمد تجمداً تاماً، تماماً كالآلة التي تتوقف بعد أن تستهلك آخر قطرة من وقودها، ويمتد كفن من الثلج ليغطي هذا الشيء المتجمد، باستثناء طرف حذاء، أو ذراع تجمدت وهي مرتفعة قليلاً، وكأن هذا المشهد شاهد على أن في هذا المكان رجلاً متمدداً جثة هامدة». وهذا التصوير البليغ لمعارك الجبهة الروسية بلغت ذروتها في معركة ستالينجراد التي استغرقت قرابة الألف يوم، ومات فيها ما يزيد عن المليون من البشر، وعندما حوصرت مجموعات الجيش السادس الألماني بقيادة (فون باولوس) ومعها فرقتان رومانيتان، مع الهجوم الروسي المعاكس، الذي شنه مليون ونصف المليون من الجنود الروس، وقع في الكماشة عشرون فرقة ألمانية، من خيرة فرق الجيش الألماني، في جيب لا يزيد عن 40 كم بعرض 20 كم ، ولم يبق في النهاية من أصل (360) ألف جندي ألماني سوى تسعين ألفاً، يجرون أقدامهم المتجمدة في الثلوج إلى الأسر. لعل العظة الكبرى والمأساة بنفس الوقت من قصة الحرب العالمية الثانية هي في علاقة العالم بالسياسي، فالسياسيون الذين كانوا يخططون لمصير الشعوب الأوروبية في ذلك الوقت، اقترفوا من الأخطاء ما فجر حربين كونيتين في مدى ثلاثين عاماً، وكانت أدمغة العلماء في قسم من نشاطها تخدم وبواسطة التكنولوجيا رغبات السياسيين، وكانت ذروة هذه العملية التي ختمت الحرب العالمية الثانية هي ولادة أفظع سلاح عرفه الجنس البشري، هو التوصل إلى السلاح النووي. ومعناه حرب الإبادة الشاملة للجنس البشري. ومنه ولد السلام العالمي رغماً عن أنف السياسيين والعسكريين استجابة بعيدة لهتاف الأنبياء والمرسلين إلى السلام العالمي والكف عن الحرب والاقتتال. ولعل هذا التناقض بين العالم والسياسي لم يحل تماماً حتى الآن، فالسياسيون في أوروبا احتفلوا في الوقت الذي كانت فيه حرب البوسنة على أشدها، وكذلك أقيمت الاحتفالات في موسكو في ظل حرب الشيشان في القوقاز، فهل استفاد الجنس البشري حقاً من عظة التاريخ؟!