ركزت منظمة الصحة العالمية في تقريرها الأخير عن الوضع الصحي حول العالم (World Health Report 2013)، الذي صدر نهاية الأسبوع الماضي، على أهمية البحث العلمي في تحقيق هدف توفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع أفراد المجتمع (Research for Universal Health Coverage)، من خلال مطالبة المنظمة في هذا التقرير لدول العالم المختلفة بضرورة الاستمرار في الاستثمار في الدراسات المحلية المتعلقة بالرعاية الصحية، حتى يتسنى لكل منها تطوير نظام رعاية صحية متوافق مع الظروف والاحتياجات والإمكانات المحلية. وتأتي هذه المطالبة أو التوصية انطلاقاً من أنه يمكن فقط من خلال نظم الرعاية الصحية الشاملة ضمان حصول جميع المواطنين في المجتمع على الخدمات الصحية التي يحتاجونها، دون أن تثقل كواهلهم بأعباء مالية عند سداد تكلفتها. وهذا الموقف عبرت عنه الدكتورة «مارجريت شان» (Margaret Chan)، مدير عام منظمة الصحة العالمية، بوصفها لنظم الرعاية الصحية الشاملة على أنها أهم وأقوى مفهوم من بين مفاهيم الصحة العامة على الإطلاق، ومن أفضل السبل للحفاظ على المكتسبات الصحية التي حققها كثير من المجتمعات خلال العقد الماضي. ففي كثير من دول العالم يتعرض الملايين لمعاناة شديدة بسبب عدم قدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجونها، أو بسبب أن تحمل نفقات الرعاية الصحية يدفع بهم نحو مستويات أكثر عمقاً من الفقر. وهذا الوضع أصبح يشمل المزيد من دول العالم، بعد أن أصبحت حكومات الدول التي كانت الرعاية الصحية متوافرة فيها بتكلفة معقولة، تعاني من صعوبة متزايدة في توفير المصادر اللازمة لطلب متصاعد على الخدمات الصحية، ومترافق بارتفاع مماثل في تكلفة وأسعار الخدمات الطبية، وبنسب تضخم سنوي تزيد بمقدار واضح عن النسبة العامة للتضخم. وهذا الوضع الصحي المتدهور في العديد من بقاع ودول العالم، ترى منظمة الصحة العالمية أنه من الممكن عكس اتجاهه من خلال الدعم الذي توفره المنظمة للدول، بغرض تطوير نظم مالية صحية، أو صحية مالية، تمكنها من التحرك نحو نظام مستدام للرعاية الصحية الشاملة، اقتناعاً من المنظمة بأنه يمكن لجميع الدول أن ترفع من مستوى مخرجاتها الصحية، وأن تخفف من انتشار وحدّة الفقر، من خلال توسيع نطاق التغطية الصحية، وعبر تخفيف العبء المالي الذي يتحمله أفراد شعوبها. والمقصود بالرعاية الصحية الشاملة هو أن يتاح لجميع أفراد المجتمع فرصة الحصول على رعاية صحية جيدة، دون عبء مالي يفوق طاقتهم. وتحقيق هذا الهدف يتطلب نظاماً صحياً قوياً، ذا كفاءة وفعالية، يدار بشكل مهني جيد، بالإضافة إلى توافر الأدوية والمعدات الأساسية، وعدد كافٍ من العاملين في المجال الطبي، ذوي التدريب الجيد، والكفاءة المتميزة، على اختلاف وظائفهم، ورتبهم، وتخصصاتهم. ومن الممكن النظر للرعاية الصحية الشاملة على أنها دليل على التزام المجتمع بالعدل والمساواة بين أفراده. ولذا يصبح إيصال هذا الحق غاية اجتماعية، لابد أن تتخطى العقبات الاقتصادية والسياسية. وهو أيضاً الحق الذي يمكن توفيره لأفراد المجتمع من خلال تدابير وإجراءات خاصة، مثل دعم الجهود التي ترقى بالمستوى الصحي للجميع. وهذه الجهود قد تتضمن سعي الحكومات والمنظمات الدولية لخلق، وتطبيق، ومراقبة، السياسات والممارسات الصحية التي توفر مستوى أعلى من الصحة للجميع. ولكن تظل فعالية هذه الجهود في تحقيق الهدف المرجو منها محددة بالظروف الاقتصادية، والسياسية، والبيئية، التي يتم في إطارها توفير الرعاية الصحية. فمن المعروف أن الظروف الاقتصادية مثلاً لها تأثير بالغ على صحة الأفراد، من حيث نوعية الأمراض، وأسباب الوفيات، ومستوى الخدمات الصحية. وعلى رغم التزام وسعي كثير من الدول والحكومات لتحقيق الرعاية الصحية الشاملة، لا يزال هناك كثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة، وخصوصاً على صعيد توفير الرعاية الصحية للجميع، دون تعريضهم للدمار المالي والإفلاس. وإجابة هذه الأسئلة من الممكن الحصول عليها من خلال إعادة توجيه مسارات البحث العلمي. ففي الوضع الحالي يوجه كثير من الجهود العلمية نحو اكتشاف وتطوير تقنيات جديدة، في الوقت الذي تحتاج فيه النظم الصحية إلى دراسات علمية حول كيفية توظيف المعرفة والتقنيات المتاحة حالياً بشكل أفضل. كما أن كثيراً من الأسئلة المتعلقة بكيفية توفير رعاية صحية شاملة، تحتاج في الحقيقة إلى إجابات محلية، مثل كيفية بناء وتنظيم وإدارة نظام الرعاية الصحية برمته، وسلوك المرضى الذين يحتاجون للخدمات الصحية، والسبل التي يمكن من خلالها قياس أداء النظام وكفاءته، وغيرها. وجدير بالذكر أنه كما تسهم الصحة العامة الجيدة في التنمية الاقتصادية بمفهومها الواسع، وفي النمو الاقتصادي بمفهومه الضيق، لا يمكن أيضاً تجاهل ضرورة مساهمة التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي في توفير المصادر المالية الضرورية للحفاظ على الصحة العامة، ما يجعل هذه العلاقة تبادلية، حيث يصب كل طرف منها في مصلحة الطرف الآخر. وهو ما لو تحقق فمن شأنه ضمان التغطية الصحية الشاملة، وتحقيق عدالة التوزيع للخدمات الطبية، ما يعتبر عاملاً أساسياً في توفير الاستقرار الاجتماعي والسياسي، كون الرعاية الصحية حقاً من الحقوق الاجتماعية الأساسية، يؤدي فقدانها وانتقاصها إلى الاضطرابات وإلى زعزعة الاستقرار المجتمعي.