تحدث العديد من المثقفين المصريين قبل احتشاد 30 يونيو 2013 الحاسم عن مرحلة «ما بعد سقوط مرسي»، مما يستحق اليوم قراءته بعد أن نجح الجيش المصري في اقتحام الاعتصامين الكبيرين لـ«الإخوان» في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، يوم 2013/8/14. صنع الله إبراهيم، الأديب المعروف قال:«أعتقد أن التجربة الإسلامية كتبت نهايتها بعد حكم عام من جماعة الإخوان والشعب المصري اكتشف أكذوبة ما يسمى بتيار الإسلام السياسي وكيفية التمسح بالدين لأشخاص ليست لهم علاقة بالتاريخ أو الشعب أو الوطن، فقط كان هدفهم مصلحة الجماعة... فأي شخص سيأتي بعد مرسي سيكون أفضل منه لأنه سيخضع للشعبية الجماهيرية. في 30 يونيو كل شيء متوقع. وما يقال عن دعم أميركا لـ«الإخوان» والدفاع عنها، فهذا مردود عليه بأن أميركا أول من تخلت عن مبارك وكذلك شاه إيران. أنا متفائل أياً كانت النتائج. مصر ستكون أفضل حتى لو هدد الإسلاميون بإسقاط الرئيس القادم من منطلق «اسقطوا لنا رئيسنا وسنسقط لكم رئيسكم». فالكلمة الفصل في النهاية للشعب ومن يتحجج بأن 30 يونيو ضد شرعية الصندوق أوجه له رسالة بأن لو فكرنا بهذا المنطق لما قامت ثورة 25 يناير 2011. التاريخ سيكتب أن هناك جماعة من مدعي الإسلام حاولت السيطرة على الحكم وفشلت. فبعد 30 يونيو ستكون جماعة الإخوان المسلمين إما ضد أي تطور وتعيق حركة التقدم وإما أن يوافقوا على الانضمام إلى الحركة الوطنية من دون سياسة التكويش والإقصاء». الكاتب والأديب يوسف القعيد قال: «مأخذي الأساسي على المعارضة انشغالها برحيل مرسي دون أن تنشر للناس ما بعد الرحيل وكأن التاريخ يعيد نفسه ويحدث ما يسمى بورطة النجاح التي هي السبب فيما نحن فيه. مبادئ الثورة يجب أن تحمل القضاء على نظام وإقامة نظام جديد. مبارك حكم 30 سنة ومرسي حكم سنة وحجم الأخطاء يساوي بينهما، فيجب أن يلحق به في السجن». د. جابر عصفور قال:«لابد أن يرحل الإخوان لأنه من الناحية القانونية أصبح حكمهم باطلاً، فهناك ما يقرب من 20 مليون استمارة لعزل مرسي وبالتالي قانونياً ودستورياً أصبح وجود مرسي غير شرعي». ورغم أن جماعة «الإخوان» لم تكن رأس الحربة في إسقاط نظام مبارك وإشعال ثورة 25 يناير فإنها أبدت مهارة في تذليلها وركوبها، بل وجر عربة مثقلة بالغنائم خلفها! هذه الجماعة ليست قوة ديمقراطية أو عصرية أو حتى ثورية. وهيمنتها على قطاع شعبي عريض في مصر وخارجها تعكس مأساة الثقافة الدينية والسياسية والفكرية العربية، وبؤس بعض جوانب الواقع الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي والإسلامي، أكثر مما توحي بالحلول العملية والعصرية التي تحملها الجماعة في أي دولة... للمجتمع الحديث. «أحمد البان»، المنشق عن حركة الإخوان، يقول إن الجماعة «لن تندمج في المجتمع المصري من جديد دون مراجعات جديدة وأفكار مبتكرة بعد هذا النظام البائس الذي شهر للناس خلال فترة حكمهم، فيجب فصل المسار الدعوي عن المسار السياسي، وأن تتوجه الجماعة إلى النشاط الخيري والدعوي إلى البر والتقوى والتركيز على مبادئ التربية، والبعد عن دوافع الجماعة السياسية التي جعلتها في مواجهة الشعب والمؤسسات سواء كانت ملكية أو جمهورية على مدار العقود الماضية... ويجب أن يكون رجوعهم للسياسة مرة أخرى مبنياً على استدعاء مجتمعي لهم وليس لأخذ سيف السلطة مثلما فعلوا». المنتمي إلى جماعة «الإخوان» لا يتأثر بالزمان والمكان والتاريخ والمرحلة! يقول «البان» بأنه «لا يوجد صراع جيلي داخل الجماعة، فمناهج التربية داخل الجماعة استطاعت أن تحسم الصراعات والخلافات، لأنهم جميعاً عقول واحدة. فمن الممكن أن تجد رجلاً في عمر السبعين خارج الجماعة مفعم بالشباب والحيوية ويقبل النقاش، وفي المقابل تجد شاباً في الجماعة عمره في العشرين لا يقبل أي نقاش، لأنه مليء بما قيل له من مناهج تربية ومبادئ للسمع والطاعة». الكثيرون من داخل الجماعة ومن بين الإسلاميين حاولوا إصلاح مركبة «الإخوان» الحزبية دون نجاح. من هؤلاء كمال الهلباوي، الذي يقول عنه «البان» بأنه «شخصية رائعة وله مراجعات كثيرة قام بها وحذَّر كثيراً من المسار الذي تسلكه الجماعة وتنبأ بما سيحدث لها». وهذا ما لا يوافقه عليه منشق ثان من «الإخوان» وهو «سامح عيد» ويقول: «مشكلة الهلباوي أنه لم يقدم مراجعات حقيقية لفكر الجماعة أو فكراً، فهو ما زال متمسكاً بفكر وعقائد الإمام حسن البنا، وأرى أنه فكر إقصائي، فهو ضد الأحزاب ومع معاداة الآخرين، والهلباوي ما زال متمسكاً بكل هذه العقائد». وقلل سامح عيد من أهمية التنظيم الدولي لـ«الإخوان»، وقال: «بالنسبة لمصر فهو مضخة المال فقط... لم يقدموا للإسلام أو الفكر الإسلامي شيئاً، أنا أعلم أن التنظيم الدولي قبل عشرة أيام من تظاهرات 30 يونيو اتصل بجماعة الإخوان في مصر وأبلغهم بأن الوضع قلق وأن لديهم أخباراً بأن اليوم لن يمر بسلام، ولكن «الإخوان» طمأنوهم وقالوا إنهم مسيطرون على مجريات الأمور، وفي 30 يونيو أعيد الاتصال مرة أخرى وطالبوا «الإخوان» بأن يُجروا انتخابات رئاسية مبكرة للحفاظ على وجود الجماعة وحزب «الحرية والعدالة» داخل مصر، ولكن رفض خيرت الشاطر، وقال لهم نحن أدرى بشؤوننا، وأنه مسيطر على كل الأمور وأن أجهزة الأمن والمخابرات تعمل معه». وعن رفض الجماعة، قال إن السبب هو أنهم يعتبرون مثل هذه الخطوات «اعترافاً بالأمر الواقع، وهم لا يريدون هذا، فهم يريدون دولة خلافة، لا يوجد فيها تداول سلطة، ويوجد بها خليفة هو المتحكم في الدولة، يعيِّن القضاة ويجمع الزكاة. هذا هو تصور «الإخوان» لشكل الدولة، فالحكم ينتقل فيها للطليعة المؤمنة أو لأهل الحل والعقد. هم يعلمون أن الانسحاب الحالي يعني انتهاء التنظيم ومحاسبة القيادات، لذلك قرروا الانتحار بالجماعة». الكتب والمقالات والمقابلات في قضايا حركة «الإخوان» لا تكاد تحصى. ولعل من أهمها تلك التي كتبها ولا يزال، أعضاء الجماعة وقياداتها، ممن انشقوا عليها وفضحوا أسرارها. وهناك كذلك من أعجب بهم من الصحفيين والكتاب وعايش رموزهم وقياداتهم فترة طويلة، وبخاصة بعد عام 1970 مع مجيء السادات. من هؤلاء الصحفي المصري محمود صادق، صاحب كتاب «الإخوان المسلمون: الأزمة والتشتت»، الصادر عام 2002، قبل أكثر من عشر سنوات. ويتساءل الكاتب على غلاف الكتاب «هل انتهت الحركة»؟ الكاتب، كما يصف نفسه، مجرد فرد «من أفراد جيل ثورة يوليو عايش أفراداً من «الإخوان»، وتأثر بقرارات الحركة وعلاقتها بالسلطة... من جيل الثورة عاش تبعات هذا الصدام المبكر الذي حدث بين رؤساء مصر وقادة الإخوان». الكاتب محمود صادق ينصح الإخوان بحديث سمعوه مراراً، ويسمعونه اليوم من الخصم والصديق، ومن المنتمي والمنشق: الإخوان بحاجة إلى إصلاحات كثيرة كي لا تنزل بنفسها وأعضائها ومجتمعها المزيد من الدمار! يقول صادق في كتابه: «لا أعتقد أن هدف الإخوان سيتحقق ليس بسبب الظروف الراهنة سواء الدولية أو الإقليمية والمحلية. ولكن لأسباب تكمن في طبيعة حركة الإخوان المسلمين ذاتها، وطرق إدارة دفة العمل داخلها إضافة إلى بعض الشخصيات والقيادات التي أصبحت بمثابة قوة طرد لا جذب لشباب الجماعة الجدد، وتكفي تجربة حزب الوسط وما حدث خلالها ومن جرائها من تداعيات أفقدت الجماعة بعضاً من خيرة شبابها وألقت بظلال من الشك حول إمكانية استمرار الجماعة واستمرار تأثيرها إذا ما تواصلت سيطرة فكرة الوثوب إلى السلطة على أفكار الجماعة!».