دويل مكمانوس محلل وكاتب عمود في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ------------- ربما لا يكون «الربيع العربي» قد نجح في استهلال عهود جديدة من الحكم الديمقراطي الحقّ في دول الشرق الأوسط، إلا أنه قدم على أقل تقدير قرينة قوية على بروز مشهد مختلف: إنه الصورة الخادعة لنفوذ الولايات المتحدة على حكومات كنا نعتقد ذات مرة أنها حليفتنا. خذْ مصر على سبيل المثال. فقبل عام 2011، حاولت إدارتا بوش وأوباما تنبيه مبارك إلى أهمية العودة إلى الديمقراطية، ولكنّه تجاهل النصيحة. وخلال العام الماضي، نصحت إدارة أوباما، بحذر شديد، الرئيس المعزول مرسي بأن يجعل حكومته «الإخوانيّة» أكثر انفتاحاً على الأحزاب الأخرى، إلا أنه تجاهل هذه النصيحة أيضاً. والآن، ها هي القوات المسلحة المصرية تعود إلى الصورة فيما تكتفي الولايات المتحدة بدعوة الفريق أول عبدالفتاح السيسي إلى الامتناع عن الضرب بقوة. فهل سيستجيب لهذه الدعوة؟ ليس من المتوقع أن يحدث هذا. فما الذي اعترى نفوذنا كقوة عظمى؟ لو كان للولايات المتحدة أن تتوقع أن يكون لها نفوذ قوي لدى أي حكومة في العالم العربي، فلابد أن تكون تلك القوة هي الحكومة المصرية التي تتلقى منها مساعدة سنوية تبلغ 1,6 مليار دولار. وهناك عاملان يقفان وراء تقلص النفوذ الذي تتوقعه الولايات المتحدة مقابل المساعدات الأجنبية التي تقدمها للحكومات في بعض دول العالم وهما: الحصص الأقل، والمنافسة الأقوى. وفيما يتعلق بالعامل الأول، لم يعد مبلغ 1,6 مليار دولار كافياً لشراء ما تريد الولايات المتحدة شراءه من نفوذ سياسي في مصر. ولو أخضعنا مبلغ 1,6 مليار دولار لمقياس التضخم، فإنه لن يساوي قيمة المساعدة التي كانت الولايات المتحدة تقدمها لمصر عام 1986. ثم إن الحصة الكبرى من هذه المساعدة السنوية تصرف على التجهيزات العسكرية كشراء الطائرات والدبابات المصنوعة في الولايات المتحدة. وتتبقى الحصة غير العسكرية البالغة 250 مليون دولار التي لا تساوي أكثر من قطرة ماء في دلو الاقتصاد المصري المترنّح. ولاشك أن السيسي وبقية السياسيين المصريين يدركون هذا الواقع تمام الإدراك، إلا أن من الغريب أن يبدو السياسيون الأميركيون وكأنهم لا يدركونه. ويتعلق العامل الثاني بالمنافسة، إذ سرعان ما وجدت قوى أخرى الفرصة المناسبة لتعويض هذا الفراغ الناتج عن تقهقر النفوذ الأميركي في مصر. وخلال الشهر الماضي، أعلنت دول عدة عن تقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية تبلغ 12 مليار دولار من أجل دعم جهود النظام العسكري الجديد على تحقيق الاستقرار للاقتصاد المصري. وبالطبع فإن لتلك الدول الرائدة أجندتها أيضاً، فهي تخشى من أن يستغل «الإخوان المسلمون» الفرصة بعد أن رفضوا الإذعان للمبادئ الديموقراطية، وأن يحتفلوا بسقوط الاقتصاد المصري. وإذا كان للمساعدة الخارجية أن تحقق النفوذ، فإن ذلك الدعم حقق قفزة عريضة فوق مبلغ الـ1,6 مليار دولار التي دأبنا على تقديمها لمصر. وفوق كل هذا وذاك، يجب الانتباه إلى أن تأثير التدخل الخارجي في الدول التي تسعى لتحقيق الديمقراطية هو ورقة ذات وجهين. فلقد عمدت إدارة أوباما إلى الإعراب عن تأييدها لطرفي النزاع معاً في المعركة السياسية التي تشهدها مصر. وفضلت كل الأطراف بمن فيها السيسي تبني مظهر الغيرة على الوطن، وهو الذي قال جهاراً إن الولايات المتحدة يبدو وكأنها لا ترغب في دعم شعبيته المتزايدة. وعلى كل حال، فقد باتت أحوال المصريين أبعد بكثير من أن ينفع معها مجرد توجيه النصح لهم. ويقول ستيفن كوك المتخصص في الدراسات المصرية في «مجلس العلاقات الخارجية»: «لقد أصبحنا نمثل المشهد الجانبي للمسرحية. ولو كنت رئيساً مصرياً فإن الاستراتيجية السياسية المثلى التي ينبغي عليك تبنّيها الآن هي الاتجاه لواشنطن». وهذا بالضبط ما يفعله السيسي الآن. فلقد قال في حوار مع صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي: «لقد أدرتم ظهوركم للمصريين، ولن يصفحوا لكم عن ذلك. ويجب أن تعلموا أن الإكثار من الثرثرة حول المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لنا، يسبب الأذى الشديد لمشاعرنا ويجرح كرامتنا، ومع ذلك، فإذا كان الأميركيون يرغبون في قطع المساعدات عنا فإن في وسعهم أن يفعلوا ذلك». ويعكس هذا الشعور أحد أشكال التناقض، لأن من الصعب تسخير المساعدات الخارجية من أجل تدعيم النفوذ فحسب. وقد يبدو وكأن التهديد بقطع المعونات العسكرية يمكن أن يفيد في تحذير القادة المصريين من عدم الانصياع لإرادة الأميركيين، إلا أن واقع الحال يقول إن تضييق آفاق التعاون العسكري يمكن أن يضر بمصالح الولايات المتحدة مثلما يضر بمصالح مصر ليس فقط في مجال الحفاظ على حالة السلام مع إسرائيل، بل أيضاً في الحرب على الإرهاب المتنامي في المنطقة. وهذا هو السبب الذي دفع إدارة أوباما إلى تجنب التسرع بالقول إن ما حدث انقلاب يستوجب قطع المساعدات الخارجية، وتركت أمر معالجة الموضوع لوزير الخارجية جون كيري الذي عمد إلى توصيف العمل العسكري وفق هذه الطريقة التي حدثت بأنه «يهدف إلى إنقاذ الديمقراطية». وأما بالنسبة للمصريين، فلقد اعتادوا على قراءة هذه الرسالة المتكررة فيما يتعلّق بمنّة المساعدات. وخلال العقدين الماضيين، بادر السياسيون الأميركيون إلى التهديد بقطعها مرات عدّة إذا لم تتغيّر الأمور هناك، إلا أنهم لم يجرؤوا أبداً على «ضغط الزناد». ولا يبدو أن الأمر سيختلف هذه المرة أيضاً. ونفس الشيء يتكرر اليوم وبدرجات متفاوتة في سياسة الولايات المتحدة تجاه أجزاء أخرى من العالم العربي. ففي عام 2012، اقترح أوباما تقديم مساعدات مالية كبيرة للدول العربية حديثة العهد بالديمقراطية إلا أن تلك الأموال لم تصل أبداً. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت تأثيرها على الأحداث التي يشهدها العالم العربي، بل يعني فقط أن نفوذنا هناك هو في الواقع أقل مما نتخيل، كما أن مصدر تأثيرنا ربما لم يكن في حجم الشيكات المالية التي نحررها.