للوهلة الأولى لا يرى المرء شيئاً مميزاً في مبنى حي "لاكسي" الإداري على أطراف العاصمة التايلاندية بانكوك. فالمبنى الخرساني، مثل أي مبنى حكومي في المدينة يطل على طريق مزدحم تحيطه ناطحات سحاب ومرآب للسيارات. لكن يختفي خلف جدرانه البيضاء في الطابق السابع مزرعة جميلة على السطح يوجد بها مئات من أنواع النباتات التي قد تساعد فقراء البلاد في الحضر. وأقام الحديقة عام 2003 مجموعة من حراس العقارات الذين قرروا استخدام المساحة الخالية على سطح المبنى لزراعة الغذاء ليحملوه إلى أسرهم في المنزل. وفي عشر سنوات منذ ذاك الحين، ازدهرت المزرعة لتصبح مركزاً زراعياً حضارياً كامل التشغيل به تكعيبات العنب وصفوف آنية زرعت بها الأعشاب والتوابل. وتغطي المزرعة مساحة أربعة آلاف متر مربع التي لولا ما فيها من مزروعات لكانت مساحة ممتدة من الخرسانة غير المستغلة. وهذه الحديقة الاستثنائية واحدة من عدد من المزارع المدنية الصغيرة التي تنتشر في بانكوك. والآن يقول مجموعة من خبراء التغذية إن الاتجاه يمكن ترشيده لتحسين حصول العدد المتزايد من فقراء الحضر في تايلاند على الطعام. وقال "روبرت هولمر"، خبير الزراعة الألماني والمدير الإقليمي لمركز الخضراوات العالمي "تاريخياً قامت حدائق التجمعات السكانية بالكثير من الوظائف في أوروبا، وتستطيع بانكوك أن تستفيد بنفس الطريقة". و"هولمر" واحد من بين عدد من المشاركين في دراسة قامت بها جامعة "كاستسارت" في بانكوك وجامعة "فرايبورج" في ألمانيا أجريت لتقييم مدى ملائمة بانكوك لإنتاج المزيد من الطعام الطازج داخل حدود المدينة. وفي عام 2000، بلغ عدد سكان بانكوك 6.3 مليون أي عشرة في المئة تقريباً من إجمالي سكان تايلاند. واليوم تضخم العدد، ليصبح أكثر من تسعة ملايين نسمة في العاصمة و15 مليون نسمة بالضواحي المحيطة. يوجد لكل ساكن في العاصمة التايلاندية ثلاثة مترات مربعة من المساحات الخضراء- وهو أدنى معدل في آسيا. ورغم الافتقار إلى المساحة الخضراء، وجد الباحثون عدداً مفاجئاً من الأسر منخفضة الدخل تزرع الخضراوات والأعشاب والتوابل بشكل غير رسمي في الساحات، وفي مساحات المباني وفي حواف النوافذ في أنحاء المدينة. ويقول "هولمر": "إذا تسنى تنظيم هذا والتشجيع عليه بدعم من الحكومة التايلاندية، فإن احتمالات إطعام العدد المتزايد من سكان المدينة قد يكون كبيراً". وأضاف أن الاتجاه يمكن تطويره لتشجيع المزيد من الأسر لإنتاج الطعام الطازج كمكمل لنظامهم الغذائي. ورغم أن النقص في الغذاء نادر نسبياً في بانكوك، فأسعار الغذاء المتزايدة أضرت بالسكان الفقراء بشدة. وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إن النظام الغذائي للأسر منخفضة الدخل في العاصمة شهد تدهوراً كبيراً خلال السنوات القليلة الماضية مع تزايد استهلاك الأسر للأغذية الرخيصة التي تعرضت لمعالجات كثيرة وقليلة القيمة الغذائية. وقال "هولمر": "في أوقات الشدة، الخضراوات والفاكهة هي أول ما يختفي ويلجأ الناس للغذاء الغني بالطاقة التي يفتقرون إليها غذائيا... البدانة تتصاعد في بانكوك حتى وسط فقراء الحضر". وفي عام 2011 وعندما ألحق فيضان هائل الضرر ببانكوك، انقطعت تماما إمدادات الطعام إلى المدينة، مما ترك عدداً أكبر من الأسر عرضة للتضرر أكثر من ذي قبل. وفي السنوات العشر التي عملت فيها، أثبتت مزرعة سطح "لاكسي" أنها ناجحة للغاية، فحراس العقار لا يطعمون أنفسهم وحسب، لكنهم يبيعون الإنتاج في الأسواق المحلية. وبدأ الزراع أيضاً يدربون أفراداً من السكان على إنتاج الخضراوات للتشجيع على عمليات زراعة أخرى في الحضر. ويوجد حتى الآن ما يزيد على ألف شخص يشاركون في البرنامج غير الرسمي. واستخدمت دراسة جامعة "كاستسارت" تكنولوجيا نظام المعلومات الجغرافية لرسم خريطة رقمية للمناطق في بانكوك سواء التي استخدمت بالفعل لزراعة الطعام، أو تلك التي يمكن زراعتها بالغذاء في المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك أجروا عمليات مسح لسؤال السكان في منازلهم عن ما هو مصدرهم للطعام الطازج. وقال هولمر "عثرنا على أكثر من 160 نوعاً من الخضراوات تزرع وتستهلك في بانكوك". وأضاف إن معظم المزروعات خضراوات وتوابل تستخدم في طهي الطعام التلايلاندي ولا توجد في الأسواق الاعتيادية. وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن المساحات الخالية وتتضمن الجدران والأسطح والساحات والمساحات الصناعية يمكن استخدامها لزراعة الطعام الطازج بل ولزراعة الأرز والحبوب. ولطالما بحث خبراء الطعام في آسيا التي يتزايد فيها نمو المدن بمعدل أسرع من أي مكان آخر عن سبل مبتكرة لتحسين إمدادات الغذاء. وقال "هيرويوكي كونوما" المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في مؤتمر عقد خلال الآونة الأخيرة في بانكوك إن إدخال شبكات إنتاج منزلية غير رسمية في المدن سيحسن أوضاع الفقراء. وهم يعملون الآن مع الحكومة التايلاندية لإدخال قانون يسمح للسكان بأن يتقدموا رسمياً إلى السلطات المحلية بطلب لتحويل مساحات خالية أو يساء استخدامها إلى حدائق مدنية. ويقول منتقدون إنه رغم الفوائد المحتملة التي قد تجلبها الزراعة لفقراء الحضر، يتعين على المخططين أن يكونوا واقعيين بشأن مدى إمكانية صمود الخيار مع الأخذ في الاعتبار قيمة العقارات في مدينة مثل بانكوك. وقال "دانيل هورنويج"، الذي يشغل مقعد "جيف بويس" في معهد التكنولوجيا التابع لجامعة اونتاريو: "ليس من المجدي اقتصادياً استخدام قطعة أرض صغيرة وسط المدينة لزراعة الغذاء عليها، بينما يمكن بيع الأرض كعقار بقيمة أعلى بكثير". حتى عام 2012، كان هورنويج مفكراً استراتيجيا للتنمية الحضارية في البنك الدولي. ومن الصعب أيضاً على الحكومات أن تعتمد على المزارعين الهواة في المناطق الحضارية للحصول على إمداد منتظم من الغذاء. لكن "هورنويج" قال إن الزراعة في الحضر ستكون أكثر نفعاً عند إدماجها في خطط المدينة الأخرى بما في ذلك استخدامها كوسيلة لزيادة المساحات الخضراء التي تفيد السكان مع إبقاء قيمة العقارات مرتفعة. فلورا باجينال بانكوك ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"