في حفل تنصيبه رئيساً جديداً لإيران، اختار حسن روحاني أن يتحدّث عن «الابتعاد عن الخيال والأوهام» وعن «الموازنة بين المبادئ والواقع». وكان للخطبة هذه وقع حسن في العالم. بعد ذاك توالت المواقف التي تنتمي إلى الصنف نفسه، بحيث إن مساجين سياسيين إيرانيين ناشدوا الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يغتنم «فرصة» حلول روحاني في رئاسة إيران. وبالفعل شكّل الأخير حكومته التي أراد منها إرضاء جميع القوى السياسية والإيديولوجية داخل خيمة السلطة الخمينية. فقد مثل فيها المحافظين والأصوليين المتشددين، ولكنه أيضاً مثّل الموصوفين بأنهم معتدلون أو مجددون ممن سبق أن احتلّوا مواقع وزاريّة في عهود الرئيسين السابقين محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني. وجاء الأكثر إلفاتاً للنظر تسمية محمد جواد ظريف وزيراً للخارجية، هو الذي خدم طويلاً في الأمم المتحدة والولايات المتحدة وكثيراً ما وصفه الإعلام بعقد صلات متينة مع سياسيين وديبلوماسيين أميركيين من أهل «الشيطان الأكبر». وهذه مسألة يُفترض أن تكون ذات دلالة، لاسيّما في ظلّ التردي المريع الذي تعانيه العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة بسبب «الملف النووي» أساساً، ولكنْ أيضاً بسبب المسألة السورية المتفاقمة. وفي الاتجاه نفسه لوحظ أنّ الوزارات التي تُعنى بالشؤون الاقتصادية والمالية مُنحت لأشخاص ذوي هوى غربي ورأسمالي. بيد أن هذه الإشارات المعتدلة قابلتها إشارة متطرفة وخلافية تمثلت في تسمية نجاد عضواً في مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يتمتع بامتيازات سلطوية عدة أكثرها شهرة التدقيق في أسماء المرشحين للانتخابات وتصفية من لا تنطبق عليه المعايير الصارمة للمجلس. وهذا مع العلم أن نجاد احتقر المجلس المذكور وقاطعه إبان رئاسته، احتجاجاً منه على عضوية معارضين له فيه. لكنّ تسمية نجاد عضواً في المجلس لا تلغي إبداء روحاني رغبة في الابتعاد عن رموز العهد السابق وعن بعض سياساته. في هذا المعنى جُمّدت قرارات كان قد اتّخذها الرئيس السابق تتعلّق بالتوظيف وعمليات نقل الموظفين. ويبدو أنّ ثمّة نقاشاً دائراً في طهران اليوم حول مستقبل المكانة الاقتصاديّة الرفيعة الأهمية التي تحتلّها قوات «الحرس الثوري»، وهم مَن خرج نجاد من صفوفهم أصلاً. أما في ما خصّ سياساته الخارجيّة التي تترصّدها العواصم المعنية كلها، فلم يشذ حسن روحاني عن هذا التوجه المتوازن في الظاهر. فقد أعلن، مثلاً، أن التعاون مع تركيا يساهم في سلام المنطقة واستقرارها، بما يخفف من حدة الاستقطاب التركي- الإيراني الذي لا يني يتنامى منذ اندلاع الثورة السورية. كما رأى في كلام آخر منسوب إليه، يذكّر بلغة محمد خاتمي، أن الاعتدال واحدة من السمات الثابتة للثقافة الإيرانية، ليشدد بعد ذاك على ضرورة إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط. ومع تأكيد أولويته الثابتة التي هي رفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن بلاده، وقوله إن الحل الوحيد مع إيران هو «الحوار وليس العقوبات»، فقد طرح هذه المسألة بشكل هادئ نسبياً لا يمت بصلة إلى اللغة الغضوبة والتهديدية لسلفه نجاد. هكذا رأيناه «يأسف» لما سمّاه «قرع أميركا طبول الحرب»، مبدياً استعداده لإجراء «محادثات جدية» تؤدي إلى تسوية الموضوع النووي جملة وتفصيلاً. وهذا، في عمومه، ما يفسر أن الاستجابة الدولية والغربية لروحاني بدت طيبة ومتفهمة. فقد تأكد، مثلاً، أن الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» سيدعوه إلى حضور المؤتمر الدولي لنزع السلاح، كما دعاه الاتحاد الأوروبي، بلغة غير مستفزة، إلى تحقيق «تقدم سريع» في الملف النووي. حتى الولايات المتحدة نفسها أكدت على «حسن إرادتها» شريطة أن تكون إيران جادة بالنسبة إلى برنامجها النووي. كذلك تراجع روحاني عن عبارته العدائية حيال إسرائيل، والتي أتت تذكّر بمواقف وعبارات نجاد قبل لجوئه إلى «تصحيحها». هل نصدّق، بعد هذا الاستعراض المقتضب، أن الرئيس الإيراني الجديد سيشكل قفزة نوعية في النهج الرسمي لبلاده، وربما قطيعة معه، على ما يرى بعض المراهنين عليه؟ وهل تكفي سياساته (اللفظية حتى الآن) لتنهي العقوبات الغربية المفروضة على إيران؟ أغلب الظن أنْ لا. فالامتحان الفعلي، لا الكلامي، للسياسات الإيرانية هو ما تشهده راهناً سوريا. وليس هناك حتى الآن من دليل واحد على أي تراجع في درجة التورط الإيراني، أو تورط «حزب الله» التابع لطهران استطراداً، في الأزمة السورية. وهذا ما أوحى لبعض المراقبين بأن الرئيس الجديد مطالَب بأن يكون الإسفنجة التي تمتص بعض تناقضات النظام، أو تؤجل انفجارها، من دون القدرة، أو الرغبة، في إحداث أي تغيير جدي على الأرض. وهذا ما يعيد تذكيرنا بتجربة خاتمي الذي امتلك من حسن النوايا ما لم يبرهنه روحاني حتى اليوم. فقد تُرك لخاتمي أن ينظّر ويساجل ويحضر المؤتمرات في ما خصّ «حوار الحضارات»، والتقارب بين الدول والشعوب، والانفتاح على هموم الشبيبة ومطامحها، إلا أن الأمور الفعلية المتصلة بعصب السلطة كانت وبقيت في يد المرشد الأعلى، الولي الفقيه. والحال أن إشارات الاعتدال العابر في إيران، حين تصدر عن رئيس أو وزير، لا ينبغي أن تُنسينا أن الولي الفقيه، لا رئيس الجمهورية ولا الوزراء، هو الذي يملك مفاتيح السلطة في طهران. وهذا تماماً مثلما كان الأمين العام للحزب الشيوعي، وليس رئيس الجمهورية، من يحكم الاتحاد السوفييتي السابق. وأغلب الظن أن ذلك لا يتغير إلا في حال وفاة المرشد الأعلى وسط مأزق معلن تواجهه السلطة الحاكمة. ذاك أن الوفاة وحدها لا تكفي لأن النظام يملك من مقومات التماسك ما يتجاوز به وفاة قائده. وغني عن التذكير أن هذا النظام سبق له أن تجاوز وفاة مؤسسه آية الله الخميني نفسه.