سيمون بوليفار، الزعيم الأميركي اللاتيني، حرر ستة بلدان من الحكم الإسباني، وقطع أكثر من 120 ألف كيلومتر على صهوة جواده، ليصبح بذلك أعظم شخصية في تاريخ أميركا اللاتينية. ومع ذلك، فإنه مازال مجهولاً لدى الكثيرين في العالم. وعلى هذه الخلفية يأتي صدور كتاب «بوليفار... محرر أميركي» لمؤلفته ماري آرانا، الكاتبة البيروفية الأصل المقيمة في واشنطن. لقد مات هذا الزعيم السياسي والعسكري الفنزويلي عام 1883، لكن أيديولوجيته مازالت حية؛ وأتباعه والمتأثرون بفكره مازالوا كثراً، من تشافيز الذي وافته المنية مؤخراً -وخليفته في حكم فنزويلا «نيكولاس مادورو» إلى رئيسي الإكوادور وبوليفيا، رفائيل كوريا وإيفو موراليس، اللذين حُرر بلداهما على يد «جورج واشنطن أميركا اللاتينية»، الذي كان رجلا ذا قدرة مذهلة، وطموح لا حدود له، وشخصية متقلبة ترخي من الظلال القاتمة والعنيفة بقدر ما تنتجه من ومضات بريقٍ مبهِر. والواقع أن حياته كانت ملحمية بكل المقاييس؛ ففي 1813 أطلق حملة من أجل استقلال كولومبيا وفنزويلا، مستهلاً مشواراً حافلا أخذه لاحقاً عبر التضاريس الوعرة لأميركا اللاتينية، من أدغال الأمازون إلى جبال الآنديز. فخاض معارك متتالية ضد الحكم الإسباني، وشكَّل تحالفات ضمت قوى وأعراقا متنافسة، وفقد زوجته التي لم يتزوج بعدها قط. وفي 1813، توفي في سن مبكرة نسبياً، غير واثق مما إن كانت إنجازاته ستبقى وتستمر. المعجبون به ومنتقدوه ما انفكوا يتجادلون حوله منذ وفاته حتى اليوم؛ حيث يمتدح الفريق الأول الدهاءَ العسكري لرجل استطاع دحر إسبانيا وطردها من مليون ميل مربع من الأراضي في حملة عسكرية استثنائية دامت 11 عاماً. حملة كثيراً ما كانت تجمعه معاركها بقوات تفوقه عدداً أو تتطلب مسيرات خارقة لا يقوى عليها البشر عبر غابات أميركا اللاتينية وفوق قمم جبالها المكللة بالثلوج. فكانت الهزائم عديدة والإحباطات كبيرة، لكنه كان يعود مرفوقاً بمرتزقة بريطانيين في الغالب. بوليفار المنحدر من نخبة البيض ذوي الأصول الأوروبية، كان يرى أن الثورة ستفشل بدون دعم ومساندة كل شعوب أميركا اللاتينية، من الهنود سكان الأرض الأصليين، والعبيد السود، والأشخاص المنحدرين من أعراق مختلفة. وقد دعا إلى إلغاء العبودية، لكنه فشل في إسقاط نظام مازال ينحاز للأميركيين اللاتينيين من ذوي البشرة الأفتح. ولأنه كان مثقفاً ومطلعاً على الصالونات الأرستقراطية للعواصم الأوروبية، فقد دعا أيضاً إلى تبني قيم التنوير متعهداً بأن تحل الحرية والعدالة محل 300 سنة من الطغيان والاستبداد الإسباني. لكن منتقديه يشيرون إلى طغيانه واستبداده هو نفسه؛ حيث يعتبرون أن «حربه حتى الموت» شكلت هجوماً عديم الرحمة أدى إلى نشر الرعب والتمهيد للعنف بين الأميركيين اللاتينيين لاحقاً، وأن التزامه بالحرية لم يكن صادقاً وكان مشوباً بالشك والارتياب، كما لم يكن معجباً بالديمقراطية الأميركية التي قال عنها: «إن نظاماً ديمقراطياً، أبعد ما يكون عن إنقاذنا، لا يمكنه إلا أن يجر علينا الهلاك... فنحن منطقة مبتلاة بالوحشية والطموح والدناءة والجشع». وإلى ذلك، فإن دستوره النموذجي، الذي تبنته بوليفيا والبيرو، كان يدعو إلى رئيس مدى الحياة. ومثلما يستطيع الكوبيون أن يشهدوا بذلك، فإن هذه الفكرة ما زالت حية إلى اليوم. كما أن غروره واعتداده بنفسه كان مبالغا فيه؛ حيث قال خلال لقاء مع زعيم أميركي لاتيني آخر هو خوسي سان مارتن، قال: «أقترح أن نشرب نخب أعظم رجلين في أميركا اللاتينية: نخب الجنرال سان مارتن ونخبي». ومثل هذا الاعتداد بالنفس غير مفاجئ؛ ذلك أنه على مدى سنوات، كان بوليفار يُمتدح ويهاب، وعندما كان يتنازل عن السلطة فعلا، فإنه كثيراً ما كان يجعلها تعود إليه. ومن الألقاب الكثيرة التي حملها «رئيس فنزويلا وكولومبيا الكبرى»، و«محرر بوليفيا»، و«دكتاتور البيرو». غير أنه في الهزيع الأخيرة من حياته، كان حلمه بوحدة بلدان أميركا اللاتينية على وشك التحول إلى كابوس، فقال قولته الشهيرة: «إن الاستقلال هو الشيء الوحيد الذي كسبناه، على حساب كل الأشياء الأخرى». تسافر بنا المؤلفة إذن عبر أدغال وجبال قصة هذا البطل الأميركي اللاتيني، لكن دون أن تحاشي الوديان الأكثر ظلمة وقتامة، فتقول: «لا شك أنه خلق الشخصيةَ الأسطورية التي أصبح عليها الدكتاتور الأميركي اللاتيني». لكن ورغم مرور قرنين على وفاته، فإن بولفيار مازال يُلهب المشاعر، أما أسباب ذلك، فهي ما يحاول هذا الكتاب شرحها. محمد وقيف ------ الكتاب: بوليفار... محرر أميركي المؤلفة: ماري آرانا الناشر: سايمون آند شوستر تاريخ النشر: 2013