ربما تتلخص الأطروحة الأساسية لكتاب «المال والأسواق والسيادة»، لمؤلفيه الخبيرين الاقتصاديين والعضوين في «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي، بن ستيل ومانويل هيندز، في فكرتهما القائلة بأن الصعوبة الأكبر في طريق العولمة، ليست رد الفعل العنيف ضد التجارة حالياً؛ وإنما صوغ الاتفاقيات الدولية لتحرير التجارة مستقبلا، وبأن التراجع عن الليبرالية الاقتصادية في سبيل استعادة «السيادة»، هو الطريق الملكي نحو ترسيخ الفقر وتصعيد الصراع الدولي. ويناقش المؤلفان مصفوفة التحديات التي تواجه شرعية العولمة، وأبرز المآخذ عليها، ويحذّران من العواقب المحتملة لاستحواذ الأجهزة الحكومية على مزيد من السلطات لمواجهة الليبرالية الاقتصادية بذريعة العمل على حماية السيادة، كما يدافعان عن العولمة المالية مفندين الاتهامات الموجهة إليها وإلى الأسواق والمؤسسات المالية كجهات تنتهك الحقوق الأساسية للدول. ولتعضيد حججه ودفاعاته، يتناول الكتاب بصورة وافية، وعبر فصوله الثمانية، طائفة من الموضوعات ذات الصلة بقضايا السيادة والتجارة والسياسة النقدية والقانون الدولي. وكما نعلم فإن مناهضي العولمة عموماً يتهمونها بالتسبب في أزمات مالية محلية مدمرة منذ الثمانينيات، وهو اتهام يفرد المؤلفان مساحة واسعة للرد عليه، متسائلين: لماذا إلقاء اللوم في ذلك على التدفقات الرأسمالية الخاصة وليس على الحكومات التي تدافع عن «السيادة»؟ ثم يتعقّبان جذور الرؤى العالمية البديلة التي يتبناها مناهضو العولمة، موضحين رد الفعل الرومانسي حيال الليبرالية، والذي كان يزدري التجارة والتمويل، ويشكك في العلم، ويتبنى نزعة قومية متقدة، لذلك يطالب رومانسيو العصر بتأكيدات جديدة للسيادة، والتي يرون أنها راحت ضحية «الأسواق» المشخصَنة. لكن من منظور تاريخي للسياسة، فإن العالم قد اتجه بقوة منذ السبعينيات نحو تحرير كل من التجارة والتدفقات الرأسمالية، بينما أكدت الحكومات على حقها السيادي للسيطرة على سوق العملة الوطنية وسعرها غير المقيد بأي معيار خارجي لقياس قيمتها عبر الحدود. ومن هنا، يقول المؤلفان، لا ينبغي أن يفاجأ المرء بأن النتائج المحققة من وراء ذلك هي نمو كبير في معايير العيش في سائر البلدان التي اندمجت في السوق العالمية، جنباً إلى جنب مع أزمات العملة المحلية المدمرة التي قضت أحياناً على الكثير من تلك المكاسب. ثم يتطرق الكتاب إلى قضاياه الرئيسية في الدفاع عن العولمة؛ فالفكرة القائلة مثلا بأن العولمة تعني فقدان السيادة الوطنية على أيدي المقرضين الأجانب، هي ببساطة لا أساس لها من الصحة. فالاقتراض السيادي ليس إحدى ظواهر العولمة المعاصرة، ولطالما حصلت الدول على القروض منذ عصر النهضة. أما القول بأن صندوق النقد الدولي يمتلك نفوذاً استثنائياً على سياسات أسعار الصرف الخاصة بالدول المقترضة منه، فهذا أيضاً لا يمكن إثباته تاريخياً، فقد أدى الانضمام إلى قاعدة الذهب في القرن التاسع عشـر، مع وجود بنك إنجلترا على رأس النظام، إلى تقييد شديد للاستقلالية النقدية الوطنية، ومع ذلك أخضعت الحكومات نفسَها له طوعاً؛ رغبةً في رأس مال أرخص وفرصاً تجارية أكبر. كما يرد الكتاب على الانتقاد الثقافي للعولمة من ثلاث نواحٍ: أولاها أن «القيم التقليدية» الأصيلة لا تتغير بفعل القوى الخارجية المؤثرة في الاستقلالية القانونية للدول. وثانيتها أن معظم البرامج السياسية الهادفة إلى تحرير المجموعات المحرومة من الامتيازات، كتلك التي اعتمدتها بعض الدول النامية خلال العقود الماضية الأخيرة، إنما وُجدت بدافع من أفكار وتحديات أجنبية. أما الناحية الثالثة والأخيرة، فهي أن النقد الثقافي هو في أحسن الأحوال، صدى أجوف لأكثر الانتقادات حيوية وأهمية عبر التاريخ والموجهة إلى التكاليف والفوائد الاجتماعية للحرية الاقتصادية، وليس بالأساس نقداً للأجانب أو للتجارة الخارجية. وفي معرض بيانه محاسن العولمة الجديدة، يركز الكاتب على بعض الأبعاد المتصلة بتطوير الإنتاج والخدمات وآليات التعاون الدولي، حيث يتزايد انتشار سلاسل الإنتاج على المستوى العالمي، ما جعل العولمة سبباً جديداً للاستثمار في الدول النامية: الاستفادة من انخفاض تكاليف الإنتاج، ودمج المنشآت المحلية في السلاسل الكبرى للإنتاج والتوزيع. وبذلك فالعولمة توفر للعالم النامي سلّماً للارتقاء نحو الازدهار الاقتصادي يتألف من درجات العمل ذي القيمة المضافة المتزايدة. بيد أنه مع تعولم عمليتي الإنتاج والتوزيع، أصبح النمو الاقتصادي في مختلف الدول والمناطق محدداً أكثر فأكثر وفق قرارات الاستثمار التي يجري تمويلها وتوجيهها عبر النظام المالي العالمي. ومن هنا تزداد صعوبة تفريق النظم المالية المحلية للدول المتقدمة عن النظم الدولية الأوسع نطاقاً. كما تزداد أهمية الدخول غير المقيد إلى السوق العالمية لرؤوس الأموال، من أجل التنمية، بدلا من قدرة الحكومات على تعديل السياسات النقدية الضيقة. لذلك يقرر المؤلفان أن الخيار الأصوب أمام الدول النامية المتطلعة إلى دمج اقتصاداتها عالمياً، هو بكل بساطة التخلي عن العملة المحلية واعتماد عملة أخرى للادخار والاقتراض؛ كالدولار أو اليورو، لتفادي مخاطر الأزمات المالية التي يسببها تباين العملات. وهو خيار من شأنه تخفيض أسعار الفائدة المحلية، وتحفيز الادخار والاستثمار المحليين، وفتح الاقتصاد بصورة آمنة أمام التدفقات المالية الخارجية... فتتحول العولمة من تهديد موهوم لمصالح محلية محدودة، إلى فرصة واسعة بحجم العالم. محمد ولد المنى ------- الكتاب: المال والأسواق والسيادة المؤلفان: بن ستيل ومانويل هيندز الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2013