عندما انفجر العصر الذري في المشهد العالمي عام 1945، كان هناك أمل في أن توفر الطاقة الناتجة عن الانشطار النووي في نهاية المطاف للعالم كهرباء رخيصة وآمنة ووافرة يمكن أن تقضي على التلوث والدمار البيئي الذي تسببت فيه محطات الطاقة التي تستخدم الفحم والنفط وعشرات من سدود توليد الطاقة الكهرومائية التي أقيمت على امتداد العالم. وبعد ما يقرب من سبعين عاماً مازالت الطاقة النووية عنصراً مهما كمصدر للطاقة في العالم، لكنها ليست رخيصة ولا آمنةً ولا وافرة كما تخيل المرء. والكلفة الرأسمالية الكبيرة المطلوبة لبناء مفاعلات طاقة نووية والحوادث المتعددة التي صاحبت استخدامها، والحاجة المستمرة للوقود الأحفوري لتلبية طلب السوق، كل هذا يشير إلى جاذبية فكرة السعي إلى بدائل طاقة أخرى من المحتمل أن تكون رائدة وقادرة على إحياء الصخب الذي صاحب طاقة الانتشار النووي ذات يوم. فمنذ بداية العصر الذري، كان هناك أمل في أن تتم عملية السيطرة على الطاقة النووية بطريقة مضبوطة وآمنة، لاسيما في ظل التقنيات الجديدة المستخدمة؛ مثل الاعتماد على الاندماج النووي، بدل تقنية الانشطار الذي، حيث تشير الأبحاث العلمية إلى أن الأولى أكثر أمناً؛ إذ خلافاً لمفاعلات الانشطار النووي التي تعمل بشطر ذرات اليورانيوم الثقيلة شديدة الخطورة، ومعالجة مشتقاتها، فإن التقنية البديلة ترتكز على دمج نظائر الهيدروجين غير المضرة نسبياً والخالية من التلوث. لكن المشكلة في الاندماج النووي هي أن العملية المطلوبة لتوليد الطاقة الهائلة، كتلك التي شوهدت في انفجار قنبلة هيدروجينية، يتطلب كمية هائلة من الحرارة. ورغم أن العلماء طالما راودهم حلم قديم بتوفير الظروف العلمية لإجراء عملية اندماج في درجات حرارة أقل بكثير من تلك المطلوبة في قنبلة هيدروجينية، إلا أن محاولاتهم لم تثمر حتى الآن فيما يتعلق بتقنيات «الاندماج البارد»، رغم أن هناك عددا من الفضائح المرتبطة بمحاولات إثبات إمكانية هذه العملية. واليوم، فإن الحكمة الشائعة هي أن الطريق الوحيد الذي يمكن السيطرة عليه هي أن الاندماج المستدام هو إقامة آلة يمكن أن تخلق درجة حرارة أعلى من تلك الموجودة في مركز الشمس، لكن تظل الآلة آمنة وتنافسية الكلفة. وفي جنوب فرنسا، عند غابة كاداراش، يوجد واحد من أكبر البرامج العلمية التي تشارك فيها 34 دولة تعمل جميعاً لبناء آلة دمج عملاقة تعرف باسم المفاعل النووي الحراري التجريبي. والهدف من المشروع هو التعاون في إثبات جدوى دمج نظائر الهيدروجين، وحالما يتم إثبات الجدوى، فسيتم بناء منشأة تجريبية لتوليد الكهرباء. وما لم يثبت أن هذا البرنامج الطموح آمن، فالمشروع ومستقبل الدمج سيكون في خطر لعدة أجيال قادمة، ولعل الأهم من الإنجاز العلمي الذي يعد في حد ذاته تطوراً لافتاً، إن نجح الباحثون في امتلاك تقنية الاندماج النووي، هي الانعكاسات الاقتصادية الإيجابية، والأكثر منها هو التقليل من حدة التلوث. فعلى الصعيد الاقتصادي ستظهر صناعة جديدة تدفع باقتصاد المعرفة، ذلك أنه فقط البلدان التي تملك قاعدة علمية محترمة تستطيع الاستثمار في تقنية الاندماج النووي بالغة التقعيد، بما يستدعيه ذلك من عقول علمية فذة ومهارات تعليمية رفيعة، هذا فضلا عن تراجع استهلاك الوقود الأحفوري لينخفض سعره. أما على الصعيد البيئي، فلا شك أن كوكب الأرض سيكون أول المستفيدين من تقنية الاندماج النووي غير الملوثة للأجواء والتخفيف من ظاهرة الاحتباس الحراري التي تجتاح الكوكب. لكن، وقبل الوصول إلى التقنية، هناك الكثير من العقبات التي يتعين تجاوزها في المركز الفرنسي؛ فحتى لو سارت الأمور بالطريقة الصحيحة، فقد تستغرق البحوث العلمية وعملية التطوير ما لا يقل عن 15 سنة أخرى قبل أن يصبح المفاعل النووي الحراري التجريبي «نووياً»، وقد لا يتسنى تقديم مفاعل قادر تماماً على العمل قبل ثلاثينيات القرن الحالي. وبهذا الحساب، حتى لو سارت جميع الأمور بشكل جيد، فلن يبدأ الاندماج بكلفة اقتصادية قبل خمسينيات القرن الحالي. وإذا أصبحت حقبة طاقة «الاندماج» غير المكلفة واقعاً، فسوف يتقلص الاعتماد على الوقود الأحفوري وسيصبح الغلاف الجوي أقل تلوثاً، وسوف يتم احتواء درجات حرارة الكوكب كما هو مأمول. لكن في نفس الوقت، ومع تصاعد معدلات التلوث في العالم، يتصاعد الطلب على الطاقة أيضاً. وقد أدت الفتوحات الجديدة في تكنولوجيا التكسير الصخري إلى ثورة في إنتاج النفط والغاز الطبيعي، خاصة في شمال أميركا. ورغم أن هذا أدى إلى انخفاض الطلب على الفحم في الولايات المتحدة، فإنه لم يؤد إلى إبطاء إنتاج الفحم. وفي الوقت الحالي يتم تصدير الفحم من الولايات المتحدة إلى أوروبا بين مستهلكين آخرين. ومن ثم، فإن انبعاثات الكربون على امتداد العالم سترتفع ولن تتقلص على مدار الأعوام العشرين أو الثلاثين القادمة. وهذه ليست النتيجة التي يحتاجها العالم، إذا كانت المخاوف من ارتفاع درجة حرارة الكوكب صحيحة. وفي جميع الأحوال سيكون على النخب العلمية والقيادات السياسية أيضاً، تكثيف الجهود لتجاوز إخفاقات الدمج النووي وتحسينها، بحيث تصير أمراً واقعياً وبكلفة معقولة. ومن ناحية العلماء فإنه يتعين عليهم مضاعفة الأبحاث والتجارب في المجال النووي، علّ ذلك يقود إلى اختراق حقيقي يجنب العالم مخاطر التلوث والتغير المناخي، أي العواقب الناتجة عن استخدام مصادر الطاقة غير النظيفة. ومن جهة أخرى يتعين على السياسيين والحكومات تهيئة الأرضية المناسبة لمثل هذا التطور، وذلك من خلال تشجيع البرامج العلمية الكبرى وتمويلها، ناهيك عن دور القطاع الخاص والمستثمرين في الرهان على طاقة المستقبل من خلال ضخ الأموال في مراكز بحثية مثلما يتم الاستثمار حالياً في الطاقات المتجددة.