بصفتي رئيس سابق لوزراء روسيا الاتحادية، أطربني أن أسمع الرئيس الأميركي الأربعاء الماضي وهو يعلن قراره بإلغاء لقاء القمة الثنائي مع بوتن عندما سيسافر إلى سانت بطرسبورغ الشهر المقبل لحضور القمة الاقتصادية لدول مجموعة العشرين. وأصبحت لدى الرئيس الأميركي الآن فرصة كبيرة لتدعيم هذه الرسالة القوية للحديث أثناء هذه الزيارة عن المسؤولين الروس الغارقين حتى آذانهم في مشكلات من بينها التزوير الانتخابي والدعايات واضطهاد الناشطين المطالبين بالحقوق المدنية. وما فتئت العلاقات الروسية الأميركية تتعرض للمزيد من التآكل والتدهور يوما عن يوم. وبالرغم من أن التفسير الذي نشر حول سبب إلغاء أوباما للقمة الثنائية والذي أشار من حيث المبدأ إلى قضية "إدوارد سنودن"، الخبير السابق في وكالة الأمن الوطني والمطلوب في قضايا تتعلق بالتجسس، إلا أن للأزمة جذوراً تَغزّ إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. وفي حقيقة الأمر، وفيما تتبنى الدولتان رؤى ومواقف متعارضة بشكل دائم من قضايا متنوعة، إلا أنهما لم تسجلا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وحتى الآن مثل الخلافات التي تقوم بينهما اليوم. وتتعدّى تلك الخلافات القائمة بينهما حدود العلاقات الثنائية لتطال قضايا حساسة مثل الانتهاك الروسي للقيم المتعارف عليها فيما يتعلق بحقوق الإنسان ومبادئ الحريات والديموقراطية التي سبق للبلدين أن اتفقا على تعزيزها ودعمها. وتشمل هذه الخروقات، الاعتداء على المنظمات غير الحكومية وقمع المتظاهرين السلميين ضد الحكومة. وتجلت مظاهر هذه الخروقات في تعذيب الناشط "سيرجي ماجنيتسكي" في أحد السجون الروسية قبل تقديمه للمحاكمة. ولم يعد في وسع الولايات المتحدة وبقية الدول المساندة للحريات الديموقراطية أن تتحمّل أكثر من ذلك. وعلى أن خطة التهدئة التي تبنتها الولايات المتحدة لترميم العلاقة بين البلدين بلغت منتهاها. ولا يقتصر الأمر على أن هذا التقارب المنشود لم يطرح إلا القليل من الثمار، بل إنه أفضى أيضاً إلى تخريب واسع النطاق للعلاقات بين البلدين يعود لأسباب شتى من أهمها غمط الحريات السياسية والمدنية في روسيا. وغالباً ما يستغل قادة موسكو القمم التي تعقد بين الحين والأخر بين رئيسي الدولتين في إمرار رسالة قوية إلى الرأي العام الداخلي. وبدرجة أولى، تسمح هذه الاجتماعات لبعض المسؤولين الروس بإضفاء طابع من الشرعية الديموقراطية التي يفتقدون إليها. وباتت هذه المسألة بالغة الأهمية عقب طبخة الانتخابات التي نظمت عامي 2011 و2012 والتي استفاق بعدها المجتمع الروسي على مظاهر القمع التعسفي وأدت إلى غليان شعبي عام في العاصمة موسكو وبقية المدن الروسية. وتم استغلال هذا المشهد من طرف بوتين، الذي بدا فيه وكأن القادة الروس أنداداً للأميركيين في كل شيء، للإيحاء بالانطباع الظاهري من أن نظامه هو على شاكلة النظام الأميركي حتى لو كانت هناك بعض الفروق الطفيفة بين النموذجين. وكان هذا الانطباع بقيام علاقات طيبة بين البلدين مترافقاً مع تنبيه الولايات المتحدة المتواصل لروسيا من عدم التوافق القائم بينهما فيما يتعلق بغمط الحريات ووأد الديموقراطية. وعندما كان مسؤولو الولايات المتحدة يوجهون مثل هذه الرسائل بطريقتهم الخاصة، لم يتلقوا أي ردّ مشجع حتى من الرأي العام الروسي. والأمر الآخر الذي يستحق الإشارة إليه هنا هو أن هذا التصور القديم الذي يستقيه القادة الروس من الممارسات البالية، التي كانت قائمة أيام الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة والمبنية على أساس "المباراة الصفرية"، يبدو أنها ما تزال تعشش في عقول الزمرة الحاكمة في روسيا حتى الآن. ويقضي مبدأ اللعبة في الآتي: إن أي انتصار لواشنطن ما زال يُنظر إليه باعتباره خسارة لموسكو، وأي هزيمة لواشنطن هي مكسب لموسكو. وهذا ما يجعل القادة الروس ينظرون إلى أي اهتمام أميركي بتعزيز العلاقة مع الروس باعتباره يمثل مؤشر ضعف من جانب الأميركيين، وبأنه استعداد لتقديم المزيد من التنازلات. وبسب أهمية اجتماعات القمم هذه، كان بوتين من دون أدنى شك يحرص على التنويه بأهمية عقد اللقاء المنتظر مع أوباما في شهر سبتمبر المقبل. وينطوي موقف الولايات المتحدة الجديد على ثمن ينبغي دفعه ويكمن في التخلي عن المكاسب التي يمكن جنيها من علاقة التعاون بين البلدين على مستوى الرئيسين. ولكن، وفي حصيلة الأمر، ستجني الولايات المتحدة فائدة أكبر بكثير من خلال الظهور بمظهر الدولة المتمسكة بمبادئها وخاصة من حيث دعمها للمواطنين الروس الذين يعانون من سلوك الحكومة لمجرد أنهم يريدون لبلدهم أن يتحول إلى دولة حرة وديموقراطية. كما ينطوي هذا الموقف على رسالة ضمنية قوية موجهة إلى الأنظمة غير الديمقراطية الأخرى في العالم. ويمكننا أن نقول في الخلاصة إن هذا الموقف الذي اتخذه أوباما يًعدّ استثماراً سياسياً ذكياً على المدى البعيد. ميخائيل كازيانوف رئيس وزراء سابق لروسيا الاتحادية ينشر بترتيب مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"