من الواضح أن الحرب ضد الإرهاب التي تدار حالياً من البيت الأبيض، باستخدام متزايد لطائرات بلا طيار، ما زالت في استمرار واتساع مع الأخذ في الاعتبار أن طبيعتها تضمن أن تبقى الولايات المتحدة هي المبتكر والمجدد للحرب ذاتها التي تخوضها. ولعلها تخسر هذه المعركة من وجهة نظري الخاصة. وما الشيء الآخر الذي يستطيع المرء أن يتوصل إليه من الترحيل المتعجل للأميركيين من اليمن يوم الثلاثاء الماضي، في تدبير حذر من تهديد محتمل بشن هجمات جديدة لـ«القاعدة»؟ ثم أي فخر قد يشعر به زعيم «القاعدة» السابق إذا استطاع أن يفعل هذا من عمق المحيط الهندي (على افتراض أن رفاته هناك بالفعل وليس في معمل ما خاص تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كي يتعرف المتخصصون على الحمض النووي للإرهابي حتى تستطيع وكالة الأمن القومي في المستقبل -وهي المهتمة بالمعلومات الكبيرة بالفعل- أن تطلع على بيانات المواليد الجدد في العالم)! قد يكون فخوراً بأن 25 مكتباً دبلوماسياً أميركياً أو أكثر، وعدداً مماثلاً وتقريباً من سفارات الحلفاء الأوروبيين المطيعين والمتشائمين، قد أغلقت أبوابها في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بينما ما زال هناك الكثير منها مغلقاً أو محصناً ضد تهديد اتباع بن لادن. وتقول صحف واشنطن إن الجمهوريين وليس الإرهابيين هم من أغلقوا السفارات بتهديدهم الديمقراطيين بقضية خلافية جديدة مثل هجوم بنغازي. وتقول الصحف الفرنسية من جانبها إن الحقيقة بشأن هجوم بنغازي هي أن «عشرات» الضباط الأميركيين كانوا مشغولين بالاستحواذ على ما تبقى من صواريخ الدفاع الجوي الليبي قبل وقوعها في أيدي الإرهابيين. وتزعم اليوم أن الضباط وأسرهم تم تهديدهم بتحطيم مستقبلهم المهني والخضوع لاختبارات شهرية لكشف الكذب لمنع وصول ما لديهم من حقائق عن الفشل الأميركي إلى مثيري الشائعات (والصحفيين الأميركيين «غير الوطنيين») مما يؤدي إلى عقاب بلا رحمة (قد يشبه ما حدث مع الجندي مانينج في العراق). والسؤال الآن: ما الذي حدث لهذه الإدارة؟ نعلم أن الحزب الجمهوري مختل مؤسسياً الآن. وقد تم تطهير البيروقراطية الحكومية منذ الحادي عشر من سبتمبر من الأعضاء المعارضين وأصحاب التوجه الأمني والعسكري وجميع الأعضاء الآن خاضعون لأوامر التجسس على أقرانهم لكتابة تقارير عن أي تحرك مثير للريبة قد يقوم به أي شخص. وقد أصبحت واشنطن أكثر شللاً عندما تواجه الحاجة لعمل حكيم. والعالم ينظر إلى الحكومة الأميركية بدهشة وليس بقليل من الخوف. أيعتقد أي شخص أن الولايات استطاعت أن تنفذ عملية الاستيلاء القصيرة والكفؤة التي قادها الفرنسيون على الانتفاضة الليبية العام الماضي أو تدخلهم في مالي هذا الربيع؟ وبأي طريقة تأخذ في اعتبارها ببعد نظر اقتصادية وكفاءة مثل هذه العمليات؟ إن الأمر لا يتعلق بأن الجيش الفرنسي رائع. بل يتعلق الأمر بأداء البنتاجون والبيت الأبيض في الرئاستين السابقتين. ويعاني العالم الإسلامي حالياً من اضطرابات ساهمت الولايات المتحدة في خلقها كثيراً، ولكنها أيضاً محلية الصنع في نوعيتها وظروفها ونتيجتها النهائية. فقد أصبح بعض جماعات الإسلام السياسي، منذ فشل حركات الإصلاح العلمانية العربية (البعث في العراق وسوريا والناصرية الاشتراكية في مصر) يدعي أن عنده الحل لأزمات العالم العربي! وقد ظهرت هذه الحضارة العربية الإسلامية تاريخياً كتطور من حضارة البحر المتوسط الأقدم التي نشأت في حوض دجلة والفرات، كمنشأ للتاريخ الغربي، وكمهد لواحد من أديانها الثلاثة المهيمنة في نهاية المطاف. ولكنها ظلت في صورتها العتيقة، من حيث التطور السياسي. وكان هذا هو الحال في الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1918. وقد استطاع مصطفى كمال أتاتورك في تركيا وإيران إقامة صور حديثة من الحكم من صنع العسكر. وفي إيران منح الحاكم نفسه سمات ملكية يتمتع بها الشاه أو الملك في إيران منذ توحيد الإمبراطورية الفارسية. وعلى رغم الدعم من إدارتي نيكسون وكارتر، فقد سقط الشاه بسبب إساءة استخدام السلطة، واستولت على إيران الحديثة حركة دينية جديدة تقول إنها تدعو إلى استعادة مجد الإسلام. وهذه الحركة الشيعية في إيران مع حركات أصولية أخرى في مصر وفي مناطق أخرى، ترفع شعارات ودعاوى إسلامية جديدة تقوم على اتباع صارم للتأويل التقليدي للدين. والحال أن بن لادن خرج أصلاً من هذه الحركة وشن حملته لطرد الأوروبيين والأميركيين الأجانب من المنطقة. وقد مضت إدارة بوش والمحافظون الجدد والحركة الصهيونية، والآن إدارة أوباما تخوض حرباً ضد هذه الحركة الأصولية. إنه هذا الاضطراب الذي يعتقد أوباما أنه سيقهره بطائرات دون طيار والحداثة التكنولوجية الساحرة للإعلام الجماهيري والعلم الشامل في كل شيء. وهذه الأدوات تخبر الحكومات الأميركية حالياً بكل شيء ما عدا الحقائق الرئيسية، وهذه الحقائق هي أن الأصولية الإسلامية المتطرفة ستفشل لأن الحكم الديني لا يمكن أن يصمد بعد انتهاء الدولة العثمانية، وقد ظهر هذا بالفعل في مصر وسوريا وتونس وتركيا، على رغم أن المجتمع الإسلامي سيستقر في النهاية على تاريخه -وهو ما قد يثبت مأساة أخرى. والحقيقة الأخرى هي أن الولايات المتحدة، المتعجرفة والحمقاء كما هي الآن، لن تفعل شيئاً إلا الإضرار بنفسها، من خلال التدخل، أو أن تصبح جزءاً من المأساة. ويليام فاف محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»