ما من رئيس وزراء أو جيش إسرائيلي إلا وكتب مذكراته السياسية أو رؤيته المستقبلية للكيان الصهيوني، في حين أن رؤساء الوزارات ورؤساء الأركان العرب أبعد ما يكونون عن هذا الفعل الثقافي. وأتساءل: لماذا؟ وأعتقد أن هناك العديد من الأسباب التي تتعلق بالشفافية والديمقراطية والدور الشعبي في السياسة في المجتمعين العربي والإسرائيلي، منها:
1- أن رئيس الدولة في إسرائيل لا يمارس أي سلطة تنفيذية، ونجد العكس من ذلك في البلاد العربية، حيث للأسف نلاحظ أن اختيار الرؤساء لرئاسة الوزارة، غالباً ما يكون اختياراً تفرضه السياسة المحلية والعلاقات الاجتماعية، وليس الكفاءة المهنية، ولذلك نادراً جداً ما نجد حكومة عربية ناجحة في إدارة البلاد.
2- خلافا لإسرائيل وتركيا العلمانية، فإن جميع دول الشرق الأوسط لا توفر الأدوات الدستورية اللازمة للاختيار الشعبي لمنصب رئيس الوزراء. وبذلك ينتمي صاحب هذا المنصب بولائه لمن قام باختياره أكثر من حرصه على مصالح الشعب العامة.
3- العلاقات الشخصية والبنى القبلية والطائفية والسياسية تلعب دوراً سلبياً في اختيار الوزراء الأمر الذي يصيب الكفاءة في العمل الوزاري في مقتل.
4- انتماء الوزير المعين إلى الحزب الحاكم بشكل عام يجعله مجرد موظف كبير أكثر من كونه عنصراً فاعلاً في العملية السياسية.
لهذه الأسباب يؤتى برئيس الوزراء والوزراء ويقالون وفقاً لرغبة الحاكم بشكل عام، الأمر الذي يجعلهم في نظر الشعب مجرد موظفين لا صانعي قرار. وهذا يفسر انتشار الفساد الإداري والسياسي وانتشار الرشوة في العالم العربي، وغياب دولة القانون، خلافاً لدولة إسرائيل التي أثبتت.
بناء على ما تقدم، يصل الوزير الإسرائيلي من خلال الكفاءة والمساومات السياسية العلنية من خلال تشكيل الحكومات بالاعتماد على قوة الحزب لا العلاقات الشخصية أو الرغبة في السلطة، ومن ثم فإن لديه الكثير مما يريد قوله في مذكراته باعتبار أن من حق الشعب أن يعرف. ولنقارن بين كتاب ""غولدا مائير" رئيسة وزراء إسرائيل بعد سقوط جدار "بارليف" في سيناء، وبين سكوت الساسة المصريين عن ثغرة "الدفرسوار"، أو عن حرب الأيام الستة، أو سكوت الساسة الكويتيين عن مسببات الغزو العراقي عام 1990. ففي مقابل الشفافية الإسرائيلية واحترام الشعب الإسرائيلي نجد التكتم وأسلوب التلاعب بالألفاظ، بل وبأحداث التاريخ إن أمكن في الجانب العربي. ثم بعد هذا كله، ماذا لدى رئيس الوزراء أو الوزير العربي أن يقوله وفي عهده لم تحدث أي منجزات حقيقية على مستوى التنمية؟ ما من خطة خمسية عربية أو عشرية إلا وفشلت، وما من حريات إلا وانتهكت كما هو الحال في قوانين المطبوعات والنشر. ولذلك حين يلتفت رئيس الوزراء أو الوزير العربي حوله لا يجد سوى الفساد الإداري والرشوة والفساد السياسي والتخلف في جميع المجالات، يكتب عن ماذا؟ عن فشله؟! طبعاً هذا مستحيل. بل اعتقد أن ما كتب من مذكرات على قلتها لا تورد جميع الأحداث والحقائق أو أن تكون هذه الحقائق مشوهة. لقد شكّل الكويتيون من خلال البرلمان لجنة تقصي حقائق وليس لجنة تحقيق لبحث ما حدث يوم 2/8/1990 (يوم الغزو العراقي)، ثم وضعت اللجنة تقريرها، واعتبرت الحكومة هذا التقرير سرياً لا يجوز قانوناً الإطلاع عليه أو استخدامه في أي عمل كتابي تقريري أو وزاري! وذهبت دماء الشهداء هدراً.