في مصر تتكثف المساعي الدولية والإقليمية والجهود الداخلية لتجنّب المواجهة بين القوى العسكرية ومعتصمي "رابعة العدوية" وغيرها من المواقع ولا مؤشرات تدل على تحقيق أي تقدم في ظل التحذيرات من الانزلاق نحو الدم والعنف والفوضى، والتأكيدات على ضرورة الوصول إلى تفاهم وحل سياسي للخروج من المأزق الحالي. وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي نادى المصريين إلى الشارع لتفويضه ضرب الإرهاب. ولبّى ملايين منهم النداء. حصلت مواجهات في الساعات الأولى. أهرق دم، كان الأمر ثقيلاً على العهد الجديد في البلاد. توقفت العملية. استوعب "الإخوان" الصدمة. أصروا على التظاهر والاعتصام. أقاموا المتاريس. قطعوا الطرقات. فرضوا واقعاً. بدت السلطة في مأزق. إن أقدمت سيكون مزيد من الدم. وإن أحجمت ستكون في دائرة البازار السياسي الذي لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن يوصل، لكن الثابت الأساس فيه، وفي مثل هذه الحالة أن الحسم النهائي لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار موقع "الإخوان" ودورهم وحقهم في المشاركة، بعيداً عن منطق الإقصاء والعزل، وبغض النظر عن الموقف السياسي المبدئي من توجهاتهم وتصرفاتهم وتجربتهم غير الناجحة في الحكم! من هنا بدأ الحديث عن رفض فض الاعتصامات بالعنف، وعن دولة القانون، وعن الحل الذي يجب أن ينطلق من إقرار "الإخوان" بأن مرحلة مرسي قد انتهت. ومصر أمام مرحلة جديدة حددّت معالمها خارطة الطريق التي رسمتها قوى العهد الجديد التي قلبت المعادلات في تحرك 30 يوليو الأخير. هذا التحرك، الثورة الثانية، الحماية للثورة الأولى، أصيبت بالدم وما زالت مهددة حتى الآن. وفي السباق مع الزمن، بدأت أصوات ترتفع حول عدم شرعية سجن الرئيس المعزول، وتطالب بإطلاق سراحه. السلطة اتهمته وتريد محاكمته، وردّت باعتقال قادة من الإخوان وإصدار مذكرات توقيف بحق قيادات أخرى بارزة على رأسها المرشد العام، وتعميم معلومات عن ممارسات "حكم الإخوان" وتعذيب الموقوفين.. ورد الآخرون باتهامات مماثلة للسلطة. وتحركت ماكينة الدفاع عن "حقوق الإنسان" في الخارج وبدأت الفوضى في التحقيق في الأحداث التي تشهدها مصر! أوروبا تحركت بسرعة. جاءت مفوضة الشؤون الخارجية والتقت مرسي، ثم جاء وفد آخر. تبعه وفد أميركي راح يعمل بشراكة وتنسيق تامين مع الموفدين الأوروبيين. لكن الأميركيين لم يلتقوا مرسي. وفد من "حكماء أفريقيا" التقاه ثم أعلنت السلطة أنها لن تسمح لأحد بأن يلتقيه، بدأ الحديث عن مانديلا جديد! مع مبالغة لا مكان لها أبداً في المقارنة! الوفد الأميركي برئاسة نائب وزير الخارجية الأميركية وليم بيرنز التقى كل القيادات. سمع كلاماً قاسياً من وزير الدفاع، تعرض لانتقادات متنوعة. انضم إليه وفد الكونجرس المؤلف من جون ماكين وليندسي جراهام. وجاءت وفود عربية إماراتية برئاسة وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد، وقطرية برئاسة وزير الخارجية خالد العطية. حركة تمرد رفضت مقابلة الأميركيين، ومن داخل مواقع الحكم الجديد، ثمة اتهامات كثيرة للسياسة الأميركية، في مقابل تصريحات للظواهري تدافع عن "الإخوان". تهاجم أميركا والسعودية والخليج عموماً، تتحدث عن تحالف بين الصهيونية والصليبية ضد الشريعة، وتعتبر أن الشرعية ليست في الانتخابات والديموقراطية، الشرعية هي في الشريعة! وتزامن ذلك مع إصرار قيادات "الإخوان" على رفض أي حل لا يعيد مرسي إلى السلطة والتأكيد على استبعاد الفريق السيسي عن أي دور سياسي! وارتفعت وتيرة الانتقادات للحركة الأميركية خصوصاً والمواقف الدولية عموماً التي وصلت إلى حد الحديث عن ضغوطات دولية تمارس على العهد الجديد! ورفض التدخل الخارجي والحديث عن وساطات. واستخدام تعابير "الأزمة المصرية" أو "القضية المصرية"، أو وساطات لحلها! وأميركا كانت في البداية متعاطفة مع مرسي، واعتبرت أنه رئيس منتخب، ثم سمعنا كلاماً أن الديموقراطية ليست صندوق الاقتراع فقط. فملايين خرجت إلى الشارع ورفضت مرسي. ثم بدأ الحديث عن خارطة الطريق. والتزام الحكومة الجديدة الدعوة إلى انتخابات، ثم عاد الكلام إلى مرسي المعزول والمسجون بغير وجه حق، وتطور إلى حدّ انتقاد سلطة العهد الجديد، والدخول على خط الحركة المباشرة للوصول إلى مخرج على قاعدة عدم "اللجوء إلى العنف" بعد قرار بالتوقف عن تسليم طائرات إف – 16 إلى الجيش المصري، الأمر الذي أدى إلى إطلاق انتقادات مصرية رسمية قاسية ضد السياسة الأميركية، وسعي عدد من رموز الحكم إلى رفع الصوت ضد أميركا وتدخلاتها ومن معها ورفض الحديث عن "صفقات" مع الإخوان، وسعي عدد آخر إلى لملمة الوضع كما يفعل محمد البرادعي نائب الرئيس، في مقابل تصريح لوزير التعليم العالي هشام عيسى قال فيه: "إن الحكومة الحالية هي حكومة الثورة، ليست حكومة باراك أوباما حتى نقبل التدخل الأميركي في أعمالها أو بشؤون القوات المسلحة تحت أي ظرف. إن ما يقال عن عقد صفقات مع "الإخوان" لإنهاء الاعتصام، هو عبث"! في قلب القاهرة، حركة سياسية مكثفة إذاً، وتهديدات متبادلة وخوف من مواجهة شاملة ومبادرات لتفاديها وشروط وشروط مضادة ولا وضوح في الرؤية حتى الآن. بل قلق في كل مكان، وحديث عن تسلح وعمليات أمنية . وفي سيناء مواجهات حقيقية. تهريب سلاح مستمر. عمليات ضد الجيش أودت بحياة عدد من العسكريين. "جهاديون" من كل مكان وعيون مفتوحة على المنطقة من فلسطين إلى تونس وليبيا وأفريقيا وأميركا والعالم العربي وإسرائيل ترصد كل شيء وتدخل على كل الخطوط ومسلسل العنف في هذه المنطقة لن يتوقف قريباً. سمعت منذ أيام كلاماً خطيراً من أحد المطلعين مفاده أن مصر مقبلة على انفجار كبير وهي دولة عربية كبرى ودولة أفريقية كبرى. والتركيز سيكون عليها نظراً لموقعها السياسي الجغرافي ولدورها الأساسي. وأن "جهاديين" سيتوافدون من مناطق مختلفة للقتال في مصر وتنفيذ عمليات انسجاماً مع كلام الشيخ الظواهري. وأن دماً كثيراً سيهرق. وأزمة كبرى ستقوم، وحصاراً مائياً سيستمر على مصر وجيشها سيكون منشغلاً في هذه الأحداث وهو الجيش العربي القوي الوحيد الباقي حتى الآن. وأن تأثيرات مهمة ستكون لهذا الوضع على مجمل الواقع العربي. فهذه مصر وليست أي دولة أخرى! ولننظر إلى صراع الأمم وتنافسها على أفريقيا وخيراتها! وسندفع ثمنه نحن. هل ونحن ننظر هذه النظرة سيخطر في بالنا مصالحنا نحن؟