تتحرك الهند وباكستان ببطء باتجاه عقد محادثات سلام. ولو أخذنا بعين الاعتبار العلاقات المعقدة بين البلدين لاستنتجنا ببساطة أن هذه الخطوة لن تتم في القريب العاجل. وتم انتخاب ممنون حسين، العضو في حزب «الرابطة الإسلامية» الحاكم في باكستان، رئيساً للبلاد نهاية الشهر الماضي. وتقلد مهامه ليصبح الرئيس الباكستاني الثاني عشر. ونظراً لأن نواز شريف عاد إلى السلطة على وقع انتصار انتخابي عريض في شهر مايو الماضي، فلقد كان من المتوقع أن يفوز حزبه في سباق الرئاسة. ويتم انتخاب الرؤساء في باكستان من طرف أعضاء المجلسين التشريعيين التابعين للبرلمان، بالإضافة لمجالس الأقاليم الأربعة. ومع الحكومة الجديدة التي تسلمت السلطة في باكستان، تتجه إسلام آباد ونيودلهي نحو تنظيم محادثات سلام. وفيما اقترحت باكستان أن تنطلق الشهر المقبل، من المتوقع أن تقترح الهند موعداً آخر. وسارع وزير الخارجية الهندي إلى وضع الخطوط الحمراء عندما قال إن "الاتجاه الذي يعوزه التحضير الكافي لتنظيم المحادثات ممكن، بشرط أن يتم الاهتمام بالأمور الحساسة التي باتت تقض مضاجع الشعب الهندي بسبب الأحداث التي حصلت مؤخراً والتي لا يمكن التنبؤ بعواقبها". وغالباً ما كانت المحادثات بين البلدين تتم على نحو متقطع، فلقد انطلقت آخر جولة بينهما في يناير، ولكنها توقفت بسبب تصاعد التوتر على طول خط المراقبة الذي يقع على حدود الفصل بين البلدين على إثر قتل جندي هندي وقطع رأسه. ثم عادت العلاقات من جديد إلى التوتر في أعقاب قتل سجين هندي في سجن باكستاني، وما لبثت أن ردت الهند على ذلك بقتل سجين باكستاني في سجن هندي. وأدت هذه الأحداث المتلاحقة إلى تصاعد حدة الغضب الشعبي في البلدين، وقللت الخيارات المتاحة أمام حكومة سنج للذهاب بعيداً في التفكير بمبادرات سلام جديدة. وكثيراً ما كانت محادثات السلام بين الهند وباكستان هشّة، وكلما قطع الطرفان خطوة متعثّرة إلى الأمام رغبة منهما في الانتقال إلى مرحلة جديدة، إما أن تتوقف بسبب هجوم على الأراضي الهندية من طرف عناصر أصولية تتخذ من باكستان مقراً لها، أو بسبب توتر مفاجئ على الحدود بينهما. وظهر خلال العام الماضي أن الدولتين وقعتا على صيغة عمل جديدة عندما اتفقتا على عدم الخوض في القضايا المعقدة مثل قضية كشمير وتركيز البحث على القضايا الاقتصادية، إلا أن هذه المحادثات لم يكتب لها الاستمرار وسرعان ما أتت إلى نهايتها. وخلافاً لما هي عليه حال الحدود بين الهند والصين التي مثلت قضية خلافية بينهما إلا أنها بقيت هادئة، فإن الحدود بين الهند وباكستان تشهد الكثير من التوتر. وهناك إطلاق نار بين الطرفي كل يوم تقريباً، وهذا يفسر السبب الذي جعل من الأولى بهما أن يعملا على تحقيق السلام على حدودهما. وفي الآونة الأخيرة، ظهرت المؤشرات الأولى للتحرك نحو إطلاق عملية السلام عندما سافر "لامباه" المتحدث الخاص باسم رئيس الوزراء الهندي إلى باكستان بعد الانتخابات مباشرة وقابل نواز شريف. وفي المقابل، عمد «شريف» إلى إرسال مساعده "شهريار خان" لعقد محادثات مع «سنج» في الهند الشهر الماضي، ويضاف إلى ذلك أن وزير الخارجية الهندي سلمان خورشيد قابل أيضاً "سارتاج عزيز" مستشار نواز شريف للعلاقات الخارجية. وبالرغم من أن رئيسي وزراء البلدين يبدو وكأنهما يحاولان التحرك إلى الأمام نحو تنظيم شكل ما من أشكال عملية السلام، فإننا عندما ننظر إلى الحالة الأمنية في باكستان يتملكنا الشعور بعدم احتمال تحقيق نجاح يذكر هذه المرة أيضاً. ونحن نرى كيف أن المليشيات والعناصر المتطرفة في باكستان تقوم بمهاجمة السجون وأقسام الشرطة. ولا توجد سلطة قادرة على ضبط الأوضاع والسيطرة على الخارجين عن القانون. وربما يؤدي أي فعل أحمق أو أي اعتداء من طرف جماعة راديكالية على أهداف هندية إلى نتائج كارثية هذه المرة. ومن المنتظر أن تركز الجولة الأولى من المحادثات بين البلدين، لو تم الاتفاق على عقدها، على مشكلة تقاسم المياه باعتبارها قضية مهمة؛ لأنها تتعلق بأنهار تقع على الحدود المشتركة بين البلدين وعبر بقعة خلافية تدعى "سير كريك"، وهي عبارة عن قطاع يبلغ طوله 96 كيلومتراً من الأرض التي تدعي كل من الهند والباكستان تابعيتها. وسيكون نواز شريف جاداً في محاولاته لتحقيق تقدم ملموس في عقد المباحثات، إلا أن المشكلة تكمن في أنه إن لم يتمكن من احتواء المظاهر الإرهابية في بلاده، فلن يكون هناك تطبيع للعلاقات بين البلدين. والعامل المهم الآخر هو أن مستوى تحسن العلاقات بين البلدين يرتبط بقضية هندية محلية وحيث أن الهند في طريقها لإجراء انتخابات عامة بداية عام 2014. وتبقى العلاقات الهندية - الباكستانية رهينة التوتر القائم على الحدود ما يجعل كل خطوة يقطعها البلدان لتحسين تلك العلاقات تكون متبوعة بالرجوع خطوتين إلى الوراء. وفيما يكون من المستبعد التوصل إلى حلول للقضايا الخلافية القائمة بينهما في القريب العاجل، إلا أن الجهود تتركز على التأكيد من أن التوتر لا ينبغي أن يكون متبوعاً بتصعيد من شأنه تقويض الآمال بتحقيق السلام ليس فقط بين الدولتين، بل في المنطقة برمتها. وفيما وصلت الانتخابات في باكستان إلى نهايتها، فإن اهتمام الحكومة الهندية وكل الأحزاب السياسية ينصب الآن على الانتخابات المحلية. ولهذا يمكن القول إن أي تقدم كبير في تحسين العلاقات بين البلدين ليس من المحتمل أن يتم قريباً.