كيف لم يخطف نجم الإسلام السياسي الذي صعد في سماء «الربيع العربي» الأبصار في الإمارات؟ وما الذي حصّن شعباً عربياً ومسلماً من التأثر بالعصا السحرية التي تملكها جماعات الإسلام السياسي، والتي تتمثل في الأجوبة السهلة والشاملة، والشعارات التي تخلب العقول وتشحن الصدور، بينما رأينا شعوباً أخرى وقع الكثير من أفرادها تحت تأثير تلك العصا، وانساقوا خلفها وهم على يقين بأنها ستعبر بهم البحر ليفوزوا بالدنيا والآخرة؟! ولمَ فشلت محاولات هذه الجماعة في التلاعب بالمشاعر الدينية للإماراتيين، بينما نجحت مع الآخرين في دول «الربيع» وغيرها، رغم أن الحضارة التي ينتمي إليها هؤلاء وأولئك واحدة، ودرجة التدين واحدة، ومستوى التعليم واحد تقريباً، والوعي واحد، والخداع الذي تمارسه تلك الجماعات يتعرض له الإماراتيون كما يتعرض له غيرهم؟ ربما كان الانفتاح الذي تتصف به الإمارات لا يقبل تضييق الجماعات المنغلقة، وربما كانت طبيعة الإمارات المتسامحة لا تتلاءم والتعصّب الديني، وربما كان موقف الإماراتيين متماهياً مع موقف دولتهم الواضح ضد تلك الجماعات، ومع هذا فإن دولًا أخرى تتشابه مع الإمارات في كل ما مرّ، صعد الكثير من أبنائها سفينة أحلام الإسلام السياسي وموجة «الربيع العربي». الجواب قد يكون في مقالين نشرتهما «الشرق الأوسط» في يوم واحد، الأول للكاتب اللبناني سمير عطا الله الذي يسأل قائلًا: «لو طرحتْ عليك شركة استطلاعات سؤالاً في استفتاء دولي حول الدولة التي تتمنى أن تكون فيها مواطناً وفق المعايير التالية: دخل فردي شديد الارتفاع. ضمان صحي شبه كامل. فرص ربح بلا حدود. ضرائب شبه معدومة. نظام تعليمي متعاقد مع أهم جامعات العالم. جهاز قضائي غير مشكوك فيه. وفوق ذلك محفظة استثمارية قدرها تريليون دولار لأحفادك»، إلى أن يقول: «أنا أعتقد أنني سوف أسمي في استمارتي دولة الإمارات»، قاطعاً الطريق على من ستخطر الثورة النفطية في باله، بالقول: «إيران أيضاً دولة نفطية، وأنجولا، والجزائر». ثم يقول: «هذه الدولة التي تغبطها أمم الأرض على ما هي فيه، تآمر الإخوان المسلمون لتغيير نظامها. لماذا يا مولاي؟ ماذا لا يعجبك؟ أي نظام آخر سوف تستبدله بالضمان الصحي؟ ما مشروعك لشبكة الطرقات؟ الري؟ تحلية المياه؟ العقود مع الجامعات العالمية؟». ويضيف: «يفهم المرء أن يعد الإخوان فقراء اليمن بحل سحري، وأن يوزعوا القصور والفنادق على سكان العشوائيات، لكن أن تعد بلاد زايد بمحمد مرسي؟ أي نموذج تريد أن تعرض بديلاً لدبي؟ أليس من المفترض أن يفكر المرء قليلاً قبل أن يعرض الإفلاس على الغني، والفوضى على المستقِر، والإرشاد على المعلمين؟». وفي المقال الثاني يقول الكاتب السعودي مشاري الذايدي: «دبي هي حلم الاستقرار العربي والهجرة لدى: البغاددة والقاهريين والبيروتيين، الذين يريدون حياة فوّارة بالأمل والفرص»، ثم يسأل: «كيف حصل هذا في هذه الأرض الجرداء؟»، ويجيب: «بالحلم، وتتبع الحلم، ونسج خيوطه...»، ثم يقول: «نحن شعوب بحاجة إلى من يحسن صناعة الأمل، وينطلق بجرأة نحو الحلم، ويرى في تراب الصحراء فرصة لا عقوبة. فكيف بمن يملك نهراً وشجراً وتنوعاً قديماً!؟»، إلى أن يقول: «ما ضرّ بغداد والبصرة ودمشق وحلب وبيروت وطرابلس والقاهرة، عواصم الحضارة العربية والإسلامية، لو فعلوا كما فعلت أختهم الصغرى دبي، وفعلته بأقل الموجود؟! إنها مشكلة في طريقة التفكير وليست في الواقع نفسه». سادت حالة من الغموض والتوهان واختلاط الأوراق في مرحلة «الربيع العربي»، وكانت فترة ذهبية لجماعات الإسلام السياسي للحشد والاستقطاب، لكن خابت توقعاتها مع الإماراتيين الذين أدركوا أنه ليس من الحكمة أن يبيعوا يقينهم بنجاح بلادهم، ليشتروا ظنوناً وأوهاماً لذيذة، لكنها تبقى ظنوناً وأوهاماً.