شهد العقدان الماضيان تحقيق تقدم رائع، في الصراع التاريخي بين الإنسانية ومرض الجذام، إلا أن منظمة الصحة العالمية حذرت في يوم افتتاح مؤتمر دولي عن الجذام، عقد نهاية شهر يوليو الماضي في العاصمة التايلاندية بانكوك، بأن التقاعس والتهاون أصبحا يهددان الجهود الحالية الرامية للقضاء على هذا المرض اللعين. وقد استمرت فعاليات هذا المؤتمر الذي عقد تحت عنوان القمة العالمية للجذام (International Leprosy Summit) لمدة ثلاثة أيام، وحضره وزراء الصحة من ثمان دول، وكوكبة من الخبراء الدوليين، بغرض استعراض الموقف الدولي لمرض الجذام، ومناقشة الاستراتيجيات الساعية لخفض عبئه على الشعوب والمجتمعات المتوطن بها، وتحقيق الهدف الرامي للقضاء عليه بشكل نهائي. والجذام هو مرض بكتيري معد، وإن كان التعرض للإصابة يتطلب التعامل والتواصل مع الشخص المصاب لفترات طويلة جدا. وحتى بين من يتعرضون للميكروب لفترات طويلة، نجد أن خمسة في المئة فقط من أفراد الجنس البشري يصابون بالعدوى. هذه المناعة الطبيعية تعود في الغالب لأسباب وراثية، حيث يعتقد العلماء أن الجسم البشري يتمتع بمناعة طبيعية ضد الميكروب، وأن من يصابون به يتميزون بتركيبة وراثية خاصة، تجعلهم عرضة للعدوى. وربما أيضاً حتى بين أصحاب التركيبة الوراثية الخاصة، لا تحدث العدوى إلا في حالات سوء التغذية الشديدة، المصاحب بالتعرض للميكروب لفترات طويلة جداً. وهذه الأسباب ربما كانت هي التفسير الوحيد خلف العدد المنخفض نسبياً من حالات العدوى السنوية لميكروب الجذام، مقارنة مثلا بميكروب السل الذي يصيب عشرات الملايين سنوياً. ويعتبر الجذام من (الأمراض التاريخية) حيث كان متواجداً في الحضارات القديمة، في الصين، ومصر، والهند، منذ آلاف السنين. ويعود أول سجل مكتوب عن المرض إلى عام 600 قبل الميلاد، وإن كان الطبيب المسلم ابن سينا هو أول من كتب عن المرض -خارج الصين- حين وصف التشوه الذي يصيب الحاجز الأنفي بين المصابين. وسواء قبل التعرف على طبيعة المرض، أو بعد إدراك ماهيته، فلطالما تعرض مرضى الجذام عبر التاريخ للرفض والعزلة والطرد، سواء من مجتمعاتهم أو حتى من عائلاتهم. ويعتبر عقد الأربعينيات هو العقد الأول الذي نجح فيه الجنس البشري في تحقيق اختراق في علاج المرض، مع اكتشاف فعالية عقار "دابسون" في وقف تقدمه، وإن كانت تعيب هذا العقار الحاجة للعلاج لسنوات طويلة، وربما لبقية سنوات العمر، وهو ما يجعل من الصعب على المرضى الالتزام به دائما. ولكن مع تطوير فكرة العلاج باستخدام عدة عقاقير مجتمعة، نجحت هذه الاستراتيجية منذ عقد الثمانينات في تحقيق الشفاء لأكثر من 16 مليون مريض خلال العقدين الماضيين، وفي منع التشوه عن 10 ملايين آخرين. فمنذ عام 1995 ومنظمة الصحة العالمية توفر العلاج بعدة عقاقير مجانا، لجميع المرضى حول العالم دون استثناء. هذه المبادرة الصحية الهائلة، كانت تدعم مادياً بالكامل في سنواتها الخمس الأولى من قبل إحدى الجهات الخيرية اليابانية (Nippon Foundation)، وفي السنوات العشر الأخيرة من قبل إحدى المؤسسات الخيرية التابعة لعملاق صناعة الدواء العلمي (Novartis Foundation for Sustainable Development)، والتي وقعت مذكرة تفاهم في أكتوبر 2010، تتعهد فيه باستمرارها في مد الدول المتوطن بها المرض حتى عام 2010 بجميع الأدوية المستخدمة في العلاج بعدة عقاقير مجتمعة، من خلال منظمة الصحة العالمية، ووزارات الصحة الوطنية. وبالفعل نجحت هذه المساعدات الطبية من هاتين المؤسستين الخيريتين، في خفض عدد الدول المتوطن بها المرض من 122 دولة عام 1985، إلى أقل من عشرين دولة حالياً. إلا أنه مؤخراً، وخصوصاً في الدول المتوطن بها المرض، زاد معدل اكتشاف وتشخيص الحالات الجديدة، التي تصاب بالعدوى لأول مرة، أو في أحسن الظروف ظل معدل حالات العدوى الجديدة ثابتاً. حيث تشير التقديرات إلى أنه بمرور كل دقيقتين، يتم تشخيص حالة إصابة جديدة بالجذام، في مكان ما من العالم، ومن بين كل 100 حالة يتم اكتشافها يكون 7 منها من الأطفال. وحالياً لا يزال الجذام يشكل عبئاً مرضياً ضخماً في الدول المتوطن بها، ففي عام 2012 تم الإبلاغ عن أكثر من 230 ألف حالة إصابة جديدة بالجذام، 94 في المئة منها كانت في 15 دولة فقط، أغلبها من دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا. ويرى البعض في قصة الجذام، ملخص وتكرار لكفاح الجنس البشري مع العديد من الأمراض التي عصفت بأسلافه عبر التاريخ، بداية من كونه مرضاً غير مفهوم، ارتبط في الثقافات الشعبية بالأرواح الشريرة وبالشياطين، حتى تمكنت العلوم الطبية الحديثة من فهم جوانبه المختلفة، ومن توفير العلاج القادر على تحقيق الشفاء منه. ومؤخراً نجحت تضافر الجهود الدولية في درء مخاطره لحد كبير، وفي تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد خفض ثمنه الإنساني الفادح، وهو النجاح الذي أصبح يهدده حاليا التقاعس والتهاون، والاعتقادات الشعبية الخاطئة وخصوصاً الوصمة السلبية التي يوصم بها ضحاياه، بالإضافة إلى الشكوك التي أصبحت تتزايد حول توفر المصادر المالية اللازمة لاستمرار مكافحة أحد أبشع الأمراض التي يمكن أن تصيب البشر. د. أكمل عبد الحكيم