بعد تأمل طويل لطبيعة الأزمة الحادة التي يمر بها المجتمع الراهن، أدركت أن المشكلة ليست سياسية تتعلق بالشرعية الشكلية المتمثلة في صندوق الانتخابات الذي على أساسه نجح مرسي، ولا في الشرعية الثورية التي عبرت عن نفسها بوضوح نادر بعد أن سدت ملايين المصريين عين الشمس حين خرجوا في 30 يونيو استجابة لحملة «تمرد» لإسقاط رئيس الجمهورية الإخواني ومعه الحكم الاستبدادي الذي مارسته جماعة «الإخوان المسلمين». كما أن الأزمة لا تتعلق بالجوانب الأمنية التي تتمثل في مشكلة هل تفض الحكومة الاعتصامات السلمية المزعومة بالقوة، أم تترك المظاهرات التي تنطلق من ميدان «رابعة العدوية» وميدان «النهضة» ترعى في الشوارع، تقطع الطرق وتحتك بالمنشآت العسكرية لاستفزاز القوات المسلحة، أو تحاصر مدينة الإنتاج الإعلامي لاقتحامها؟ أزعم أن الأزمة لن يجدي في فهم أسبابها العميقة إلا منهجية التحليل الثقافي. وهذه المنهجية تقوم على أساس التركيز حول مفهوم أساسي هو رؤية العالم، والذي يعني كيف ينظر الفرد للكون والمجتمع والإنسان؟ وأزعم أنه من دون التحليل العلمي الدقيق لرؤى العالم السائدة في المجتمع المصري، والتي تؤثر تأثيراً شديداً في دوافع الأفراد وسلوكهم السياسي، لن نستطيع فهم طبيعة الصراعات المحتدمة بين فصائل متعارضة من الجماهير. ومن هنا لابد من حوار ثقافي حقيقي بين كافة الفصائل السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى نصل إلى مرجعية قيمية نتفق عليها وتستخدم في الحكم على الأقوال والأفعال. وسأعطى على الفور نماذج واقعية للمشكلات التي تحتاج إلى حوار جاد بعد أن طالت المقدمة النظرية. ولنبدأ بموضوع الشرعية الذي يبدو- في الظاهر- أن الصراع السياسي الدامي في الوقت الراهن يدور حوله. وهناك تعريف متفق عليه بين علماء السياسة في العالم، وهو أن الشرعية تعني في المقام الأول رضاء غالبية المحكومين عن الحاكم وعن نظام الحكم. والشرعية تستمد في النظم الديموقراطية من نتائج الانتخابات برلمانية كانت أو رئاسية في النظم الجمهورية. بمعنى أن الحزب السياسي الذي يحصل على الأغلبية من حقه أن يشكل الوزارة ويحكم، وأن المرشح في انتخابات الرئاسة الذي يحصل على نصف أصوات الناخبين زائد واحد (كما حدث مع الدكتور مرسي) من حقه أن يحكم بعد أن ينصب رئيساً للجمهورية. ومع ذلك هناك أسئلة خطيرة لابد من إثارتها، وتتعلق بممارسة الشرعية التي اتفقنا على معناها. السؤال الأول هل من حق الحزب السياسي الذي حصل على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية أن يستخدم هذه الأغلبية ويمارس التشريع كما يشاء، ويغير من الأوضاع القانونية للمؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية بل وللمواطنين بغير حدود أو قيود؟ بعبارة أخرى هناك حالات شهدنا فيها ما أطلق عليه «ديكتاتورية الأغلبية». وتعني على وجه التحديد استخدام هذه الأغلبية في ما يسمى ظواهر الانحراف التشريعي، والتي تعني تسخير التشريع لخدمة المصالح الطبقية للنخبة السياسية الحاكمة، أو لجماعة السلطة مثل جماعة «الإخوان المسلمين». ومن ناحية أخرى ليس من حق رئيس الجمهورية حتى لو كان قد نجح بأغلبية ساحقة -وهو ما لم يحدث في حالة مرسي الذي نجح بالكاد بما يجاوز الـ 50 في المئة ببضعة آلاف من الأصوات- أن يسخر جهاز الدولة لخدمة أهداف «أهله» أو «عشيرته» لو استخدمنا مصطلحات الرئيس المخلوع. ونصل أخيراً إلى أهم قيد يرد على ممارسة الشرعية الشكلية، وهو أن الشعب الذي منح الشرعية لحزب سياسي أو لرئيس الجمهورية، من حقه - باسم الشرعية الثورية ونحن في عصر الثورة- أن يسحبها، وخصوصاً إذا خرجت الملايين لإسقاط النظام وتنحية الرئيس. ومع كل هذه الحقائق المعروفة على مستوى العالم وبالنسبة لمصر بالتحديد، مازالت جماعة «الإخوان المسلمين» التي فشلت سياسياً في ممارسة الحكم وسقط في الواقع مشروعها التاريخي، مصممة على الاعتصام التخريبي غير السلمي، والذي هو فعل من أفعال الإرهاب، ومحاولات يائسة لترويع الشعب المصري بزعم أن شرعية الدكتور «مرسي» مازالت قائمة، وأنه لابد أن يعود رئيساً للجمهورية كما كان، كما أن مجلس الشورى الباطل والذي انحرف في مجال التشريع لابد أن يعود، وقد عاد فعلاً بطريقة هزلية حين عقد رئيسه جلسة له في «رابعة العدوية»، وكذلك عودة وزارة «هشام قنديل» الفاشلة. ولا نجد في مواجهة هذه المواقف التي تتعمد إنكار خروج ملايين المصريين المحتجين لإسقاط النظام «الإخواني» إلا أهمية إجراء حوار سياسي مسؤول، لطرح كل ما يتعلق بتقاليد وإجراءات الديموقراطية. وفى هذا السياق لابد من أن يقتنع الجمع بأن صندوق الانتخابات ليس سوى آلية، في حين أن هناك ما هو أهم وهي قيم الديموقراطية، التي تقوم على مبدأ القبول الطوعي بتداول السلطة وعدم احتكارها، والاعتماد أساساً على التوافق السياسي وعدم احتكار اتخاذ القرارات الدستورية أو التشريعات من خلال إقصاء كافة القوى السياسية المعارضة. نقول ذلك لأن القراءة الصحيحة لثورة 25 يناير تدل دلالة قاطعة على أن جماهير الشعب المصري لن تقبل أبداً بانفراد فصيل سياسي واحد أياً كان توجهه إسلامياً أو ليبرالياً أو ماركسياً بالحكم، واتخاذ القرارات المصيرية في غيبة كل الأطراف السياسية. بعبارة أخرى عبرت الجماهير عن رغبتها في تأسيس توافق سياسي بين كل الأطراف لم تجد حتى الآن طريقة لتقنيها في الدستور. بعبارة أخرى لابد من ابتداع نص دستوري قاطع يقضى نهائياً على الاحتكار السياسي لحزب ما كما فعل الحزب الوطني طيلة ثلاثين عاماً، وكما خططت جماعة «الإخوان المسلمين»- من خلال أخونة الدولة وأسلمة المجتمع- إلى البقاء في الحكم إلى الأبد! موضوع الشرعية إذن هو الموضوع الجوهري الذي يستحق حواراً ثقافياً مسؤولاً. ويليه في الأهمية مسألة الخلط المعيب بين الدين والسياسة، مما جعل جماهير الإخوان المسلمين تهتف في الميادين العامة «إسلامية إسلامية»، بما يعنى الرغبة في تأسيس «حكم إسلامي» في مصر وهي عبارة شديدة الغموض، وليس لها أي دلالة محددة. ومن هنا أهمية أن تطرح قضية الدين والسياسة على بساط البحث وعلى مائدة الحوار من خلال نظرة مقارنة حتى نعرف بالأدلة التاريخية الموثقة أن تقدم المجتمعات الغربية وانطلاقها في مسار التطور الخلاق لم يبدأ إلا بعد الفصل التام بين الدين بممارساته المعروفة والسياسة بآلياتها المعتمدة.