بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، لا يمكن للعالم سوى الشعور بالارتياح إثر الإعلان عن استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل التي اعتقد بعض المراقبين أنها لن تنطلق أبداً بالنظر إلى الصعوبات وتباعد مواقف طرفي الصراع. وفي جميع الأحوال يبقى من الأفضل الجلوس إلى طاولة المفاوضات بدل المواجهة، أو الاستمرار في حالة الجمود التي طبعت عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن انطلاق المفاوضات لا يعني التوصل إلى نتائج إيجابية، لذا من الأفضل التحلي بالواقعية وعدم الانجرار إلى تغذية الأوهام التي لا تقود سوى إلى مزيد من الخيبات. كما أن الواقعية، عند الحديث عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، تدعونا إلى عدم الإفراط في إبداء التفاؤل بشأن ما ستسفر عنه جولة المفاوضات المعلنة وذلك لأسباب متعددة، ولعل ما يدفعنا أكثر للحذر أنها ليس المرة الأولى التي تفشل فيه المفاوضات وتتوقف في منتصف الطريق قبل أن تتوصل إلى اتفاق. ففي عام 2010 انسحب الطرف الفلسطيني من المفاوضات مع إسرائيل بعد إصرار هذه الأخيرة على تكثيف الاستيطان والمضي فيه قدماً رغم احتجاجات الجانب الفلسطيني ودعوات المجتمع الدولي. ومع أن أوباما ألقى بثقله وراء المفاوضات السابقة وحاول الضغط على نتنياهو لوقف الاستيطان، واصلت إسرائيل سياستها القائمة على فرض الأمر الواقع، هذه السياسة التي لم تتغير حتى بعد الإعلان الحالي عن بدء المفاوضات، فإسرائيل لم تتعهد حتى بتجميدها خلال المباحثات مع الفلسطينيين، وهو ما يعد انتصاراً لنتنياهو وتنازلاً فلسطينياً بعد أن كان شرط الجلوس إلى طاولة المفاوضات هو وقف بناء المستوطنات، بل حتى أوباما نفسه تخلى عن ضغوطه. والأمر الآخر الذي لا يبعث على التفاؤل أن الأطراف المعنية نفسها ليست متحمسة لما تعرفه من صعوبة التوصل إلى اتفاق في ظل الوضع الراهن الذي يميل بوضوح لصالح إسرائيل، لا سيما بعد المهلة التي حددت في تسعة أشهر لتذكرنا فقط بمهل سابقة تعهدت بقيام الدولة الفلسطينية في جدول زمني معين دون أن يتحقق ذلك. وربما لم يعد أحد يذكر موجة التفاؤل الكبيرة التي أعقبت التوقيع على اتفاقات أوسلو التي مر عليها عشرون سنة، والاعتقاد الذي ساد وقتها بأن دولة فلسطينية باتت وشيكة فقط ليتلو هذا التفاؤل خيبة كبيرة كان لها ثمن باهظ على الأرض لاندلاع الانتفاضة الثانية ونشوب المواجهات في الأراضي المحتلة، والنتيجة أن الوضع الفلسطيني تقهقر بدل التقدم الموعود وتراجعت آفاق السلام ومعها الدولة الفلسطينية المنشودة وكل ذلك بالتزامن مع تكثيف الاحتلال وتوسع الاستيطان، بحيث وصل عدد المستوطنين في عموم الضفة الغربية والقدس الشرقية إلى 560 ألفاً. ولنا أن نستحضر أيضاً ونحن ندلل على صعوبة المفاوضات ولا جدواها قمة «أنابوليس» التي رعاها بوش الابن في عام 2007، والتي تعهدت بقيام دولة فلسطينية في غضون عام، والمفارقة أنه خلال تلك الفترة تعرض المشككون في نتائج القمة إلى حملة انتقادات لاذعة بأنهم يسعون إلى إفشال خطط السلام التي تبين أنها كانت زائفة، وأن الوضع لن يتغير قيد أنملة. واللافت أنه رغم الإخفاق الأميركي طيلة السنوات الماضية ومحاولات الوساطة المتكررة في اجتراح حل عادل ينهي التوتر والصراع في الشرق الأوسط ما زالت مصرة على احتكاره وكأنها بذلك تريد إثبات وجودها واستمرار قيادتها في ظل تراجعها البين في الموضوعين السوري والمصري وفقدانها للنفوذ. والمشكلة أن قادة أميركا يريدون الزعامة دون الاستعداد لدفع الثمن في السياسة الداخلية، لذا يرفضون حتى الآن ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل التي بدونها لن تغير هذه الأخيرة مواقفها، ولن تنخرط في مفاوضات جادة تقود إلى السلام والدولة الفلسطينية. ولعل اختيار السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل والوجه المعروف في تل أبيب، مارتن إنديك، ينزع أي غطاء عن رغبة واشنطن في ممارسة دور الوسيط النزيه، فالرجل وإنْ لم يكن محسوباً على «الصقور»، إلا أن ميله لإسرائيل واضح وجلي، ويبدو أن هدف الأميركيين هو خلق الانطباع بأنهم يبذلون كافة الجهود لإنجاح عملية السلام وأنهم منخرطون كلياً للبحث عن تسوية دون أن يستطيعوا ذلك بسبب تصلب الطرفين، لكن مع ذلك يريد الفلسطينيون الدخول في التجربة مجدداً، لا سيما "عباس" الذي يريد العودة إلى الساحة الفلسطينية بعد انتخابه عام 2005 وتحقيقه لإنجاز مهم بنيله اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة غير عضو في المنظمة. ولأن الفلسطينيين يضعون بيضهم في السلة الأميركية فقد وافق عباس على المطالب الأميركية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، رغم أن أوباما فشل في دعم المواقف الفلسطينية عندما تخلى عن ضغوطه على نتنياهو وأخفق في إقناعه بوقف الاستيطان إلى درجة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي شن حملة ضد أوباما في الانتخابات الأخيرة وانحاز إلى خصومه صراحة دون أن يعاقب على ذلك بعد فوز أوباما، ليبقى السؤال الأساسي هو ماذا يريد الإسرائيليون من المفاوضات؟ الحقيقة أن ما يسعون إليه هو كسب المزيد من الوقت، فقد سبق لنتنياهو أن قال بأن «استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين يخدم المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل»، بمعنى أن المفاوضات وليس الحل النهائي هو ما يحرك الدولة العبرية، بحيث تتحول المفاوضات من وسيلة لتحقيق السلام إلى غاية في حد ذاتها ترمي إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن الطرفين لا يتقاتلان وبأنهما منخرطان في عملية تفاوضية لا يهم أن تطول إلى الأبد بقدر ما يهم استمرار دورانها في حلقة مفرغة وتكريس سياسية الأمر الواقع بمزيد من الاستيطان والإجهاز النهائي على حلم الدولة الفلسطينية، وكل ذلك يحدث فيما المفاوضات جارية على قدم وساق.