إن بناء اقتصادات ديناميكية ومبتكرة ومرنة تضيف قيمة مضافة من خلال التطبيق الخلاق للمبادرات المتجددة ذاتياً وقابلة للتطوير الدائم حسب المعطيات والحاجة هو الآن تحدٍ رئيسي لجميع المجتمعات. ويمثل هذا التحدي حالة خاصة في العالم العربي الذي يتخلف معظمه عن العالم الأول في التحصيل العلمي النوعي والتقدم العلمي التطبيقي والنمو الاقتصادي والصناعي المستدام بكل المقاييس، ناهيك عن أنه عالم غير متصالح مع ذاته. وبالرغم من تنوع مصادر الدول العربية، ووجود قوة ضاربة من الأيدي العاملة الشابة، والتي تمثل النسبة الأكبر من سكانه إلا أن نسبة البطالة فيه مرتفعة للغاية حتى في الدول الغنية فيه، وإذا نظرنا إلى آليات تطوير المعارف والمهارات المهنية لبناء مجتمع معرفي متقدم، نجدها في حالة يرثى لها مما سبب أزمة "عجز المعرفة" والتركيز على التنمية البشرية لمنفعة آنية، وإغفال التنمية الأخلاقية والقيمية والبحثية المتفاعلة تكاملياً والمنفتحة على الآخر مع وجود خطط ومشاريع تمكين لا يمكن قياسها وغياب مؤسسات المحاسبة والمساءلة والمسؤولية الحكومية التي ترتبط مخرجاتها بالتحسين النوعي المعرفي المستمر بدلاً من الرقابة والتفتيش المستمر. ومن ناحية أخرى، فإن بروز أزمة المجتمع والفرد الثانوي الذي لابد له من أن يدور في فلك محور رئيسي، وبروز مجتمعات الظل الحضاري والتطرف العنيف كانت نتيجة لغياب أو تهميش أدوات وآليات التفكير العلمي المنهجي الموضوعي في التعامل مع الواقع الذي نعيشه ورؤية النخب السياسية الحصرية، ناهيك عن التركة العقدية التحييدية التي بين يدينا والاعتراف بالمشاكل الحقيقية التي نعاني منها وتقبلها واحتضانها بكل تراكماتها لنتعامل معها إيجابياً وفق جدولة زمنية محددة والنظر إليها كتحديات بدلاً من أنها مشاكل، أضف إلى ذلك الجمود الفكري والانعزالية المعرفية فالإنسان العربي بصورة عامة يعاني من صراع داخلي حاد سواء كان روحياً أو نفسياً، أو في تحديد هويته ومكانه بين الحضارات، وتفسير نكساته ونظرة الآخر إليه مع قولبه الإذلال والانكسار الفكري والروحي الذي يعيشه، والذي انعكس بدوره على مشاعره وتصرفاته وممارساته الخارجية، وفي فهم وتبني المعايير الإنسانية التي تنظر للإنسان كروح بغض النظر عن اختلافه وتنوعه. فلاتزال المخاوف في جميع أنحاء المنطقة العربية من عدم القدرة على مواكبة الثورة التقنية الذكية في ظل معاناة عدم كفاية المعلومات ونوعيتها وتبادلها والخروج باستنتاجات عملية منها، وضعف منظومة البنية التحتية للاتصالات ككل، وليس المخرج النهائي منها فقط، وارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال التجارية وأسواق العمل الجامدة، وعدم تقدير قيمة الإبداع والابتكار وتشديد الخناق، بل الوصاية المطلقة من قبل التقاليد الدينية المحافظة على الثقافة والفنون والعلوم المستقبلية. المنطقة لديها أكبر نسبة من الشباب في العالم 38 في المئة، وتشير الدراسات السكانية الإحصائية إلى أن عدد السكان سيتجاوز 400 مليون نسمة في غضون العشرين سنة، ولا يزال الناتج الإجمالي للدول العربية مجتمعة أقل عن ناتج دولة تعاني من أزمة اقتصادية مثل إسبانيا. قيمة المعرفة لا تكمن بالضرورة في مضامين مجردة، بل في الشفافية المطلقة ونظام محاسبة ومسؤولية واضحة للعيان وموثقة ومتوفرة للجميع، ولا يقبل التدخل الخارجي لتغيير مساره في ظل استقرار سياسي واقتصادي ومجتمع يملك مهارات التعايش السلمي وتبني مقومات الحداثة الأساسية ويستطيع أن يكون في تجدد دائم دون أن يفقد كينونته، فالمعرفة يجب أن تسهم في إيجاد حلول للمشاكل التي تؤثر في المجتمع في وقت معين وهي متعددة الأبعاد وإنسانية التوجه. ففي مجتمعاتنا العربية تعوق القيود الموروثة المتأصلة في الوعي واللاوعي لدى الإنسان العربي التنمية بصورة أو بأخرى، فمن التحدي أن التجارة ليست للجميع واقعياً وحكر على هوامير السوق وسيطرة مافيا القطاعات التجارية على الموارد الأولية باتفاقيات المكتوب منها وغير المكتوب، إلى تحدي أن الصناعة لها مقومات لا نملك أسرارها وتقنياتها المتقدمة ولا نساهم في تطوير مفاهيمها، انتقالاً إلى تحدي معتقد أن العمل المحترم اجتماعياً ومتقبل نفسياً هو فقط الذي نرتدي فيه أنظف وأحسن الملابس ولا نتسخ فيه وسط أجواء مكيفة ومكاتب فسيحة مريحة، إلى عقدة التعليم التلقيني للحصول على الألقاب والعيش والتكسب فقط مروراً بمعضلة أن التفوق بأية طريقة وثمن للوصول للعالمية وعدم معرفة آلية البقاء فيها والوصول لها عن طريق خبرات غير وطنية هي فقط تملك الخلطة السرية وحيثيات ذلك الوصول لتلك القمة الوهمية ذهاباً إلى مأزق ثقافة مكتب معالي الوزير أو سعادة المدير العام والحلقات المغلقة القريبة من مكتب معاليه أو سعادته أو معاليها شخصياً وتوزيع الوظائف القيادية والحساسة والموارد والصلاحيات حسب مبدأ قرب أو بعد ذلك الفرد من مركز التأثير ومدى اندماجه مع أعضاء ما أسميه بالنوادي المهنية الخاصة في بعض الدوائر الحكومية العربية وأقصى ما يوصف به ذلك الشخص بأنه "شغول" ويمكن السيطرة عليه وإن وصل لمنصب قيادي، فهو يقوم بكل الأعمال الموكل بها بأسرع وقت ليبني وينجز على أساس هش يبهر الناظرين على المدى القريب ويدمر جوهر العمل المؤسسي ونوعيته على المدى الطويل، وبالتالي فإن أفراد هذه الحلقات يزكي بعضهم بعضا للسيطرة على أهم الوظائف في مؤسسات البلاد العربية ويصعب اختراق دوائرهم المغلقة التي تنخر في جسد العمل المؤسسي والنظام، والعقدة الأزلية الأخرى هي الهياكل المؤسسية الرمزية، التي صممت قبل قرون ومحافظ عليها كتراث وموروث إداري شعبي غير قابل للتغير أو تصميم هيكل مؤسسي لخدمة جهة أو أشخاص وليس منظومة استراتيجيات القطاع العام التي تعنى بالتنمية المجتمعية المتكاملة والاستقرار والأمن والأمان الرعوي التشاركي بمعايير تطويرية موحدة. فنرى أن الإنتاجية مربوطة بعمل صغار الموظفين المغيبين عن الأنظار أو عقود شركات الاستشارات والمستشارين وعملهم والموظف "السوبر" الذي يشار له بالبنان يكمن دوره في تقديم عروض المشاريع وإدارة المشاريع ظاهرياً، دع عنك جانباً الظلم الوظيفي والترقيات المزاجية وترقيات المحاصصة والمجاملات بعيداً عن إدارة الثروات البشرية المعرفية بصورة فعالة تكفل تحقيق العدالة المهنية الوظيفية كأحد أهم روافد العدالة الاجتماعية وتضييق الهوة بين الطبقات، والمعاناة من دمج أصول متفرقة إلى نظام المعرفة لخلق نظام فعال وتحقيق القدرة التنافسية في البلدان العربية للحصول على جزء لا بأس به من المخزون العالمي من الثروة المعرفية المتجددة. فالتنمية المعرفية الحقيقية تتطلب بناء الإنسان بصورة شاملة وعدم الاعتماد على الدين فقط على سبيل المثال لغرس القيم الأخلاقية والروحية ونشر ثقافة الجودة المجتمعية الجمعية الشاملة والرقابة الذاتية لدى الأشخاص وتطوير آليات عمل ذكية تكفل القيام بالعمل بتميز من أول مرة وفي كل مرة والبدء بنظام تأهيلي مهني ذكي ومستدام يعتمد على البحث العلمي ويسوده الإبداع ودعم وتهيئة بيئة الاختراع منذ الطفولة وإعادة تأهيل الموظفين الحاليين لتحقيق الحد الأدنى للكفاف المعرفي، فالعمل بأسلوب أقل الخسائر الممكنة في حالة عدم نجاح مؤسسة أو شخص والإبقاء عليه بحجة الاستقرار قد يحقق النجاح النسبي والوقتي فقط، ولكن في المحصلة النهائية حتماً سينتج عنه فشل في اكتساب واستخدام واستدامة المعرفة من أجل بناء نهضة تنموية تنافسية.