تعودتُ مع موسم المسلسلات المرادف لشهر رمضان، أن أتابع مسلسلاً أو مسلسلين. والحقيقة أن سباق المسلسلات لهذا العام أغلبه يعكس الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه بعض الدول العربية، بعد قيام الثورات الشعبية التي أطاحت بأنظمة فاسدة جلست على كرسي الحكم لعدة عقود. هذا على رغم أن البعض يرى أن الواقع المَعيش اليوم وتطوراته السريعة، يفوق بكثير ما يجري تصويره بالمسلسلات الدراميّة، مما دفع عدداً من المخرجين إلى حشر صور المظاهرات الحيّة ضمن حلقات مسلسلاتهم! وسط هذه الزحمة الفنيّة على الفضائيات العربية، شدني مسلسلان، الأول مسلسل «بنت اسمها ذات»، لتناوله تفاصيل الحياة اليوميّة للمجتمع المصري، من خلال فتاة تُدعى ذات تنتمي للطبقة المتوسطة. والمسلسل الآخر «الداعية»، والذي أثار جدلاً كبيراً منذ بداية عرضه كونه يتحدّث عن شخصية الرجل الداعية والنجم التلفزيوني الشهير والتي جسّدها بمهارة الممثل هاني سلامة. أعود إلى المسلسلين، حيث يُصوّر الأول كيف كانت مصر في الماضي تعيش في مناخ ديني معتدل، وغلبة الطبقة المتوسطة على المجتمع المصري، وشيوع التسامح الديني، وهذا كان جليّاً في طريقة الملبس وفي تعامل الناس مع بعضهم بعضاً، وشيئاً فشيئاً نلمس تغيّر اللهجة، وطغيان نبرة التشدد الديني، الذي انعكس حتى على هيئة المرأة المصرية، وطريقة تعامل المرأة والرجل مع بعضهما بعضاً داخل البيت وفي الشارع، وانعكاس جملة هذا التحوّل على المجتمع المصري بمختلف طبقاته. ومن المعروف أن بعض الدول الخليجيّة، والسعودية تحديداً، كان لها دور رئيسي في هذا التحول الجذري، بسبب التأثيرات السلبية لحادثة جهيمان الشهيرة في الثمانينيات، وتوغل أفكاره المتطرفة في المجتمع السعودي،، والتي تأثرت بها أغلبية الأسر التي عمل أربابها هناك، وعادت محمّلة بالكثير من هذه الرؤى التي كانت تُعتبر دخيلة على المجتمع المصري! أرى أن هذا المسلسل من أهم مسلسلات رمضان لهذا العام، وقد نجحت المخرجة كاملة أبو ذكري، والمخرج خيري بشارة، ببراعة في تصوير التطورات الاجتماعية والدينية بمصر منذ بداية الخمسينيات إلى اليوم، مروراً بذكرى رحيل المطربة أم كلثوم والفنان عبدالحليم حافظ وواقعة مقتل السادات وحرب الخليج الثانية وتأثيرها على اقتصاد العاملين المصريين، بجانب شركات توظيف الأموال التي دمّرت حياة كثير من الأسر المصرية متوسطة الدخل. ومسلسل «الداعية» على نقيض الأول، يتحدّث عن الخطاب الديني المتشدد لبعض الدعاة، والمناخ المتطرف الذي تعيشه مصر بالعقدين الأخيرين، وكيف تتم محاربة الدعاة الذين يعترفون بأخطائهم، ويقومون بمراجعة خطابهم الديني، وكيف تتم محاربتهم من قبل الجماعات الإسلاميّة المتشددة التي تعتبرهم منشقين عن مبادئ الإسلام الصحيحة! أوافق المخرج (خالد يوسف) في قوله، بأن من الصعب التكهّن بنتائج ما يجري بين يوم وليلة، وأن الأمر يحتاج إلى سنوات حتى تتضح الصورة، وهو رأي أتفق معه فيه كروائية، لأن الأحداث المعاصرة تحتاج إلى عقد كامل حتى تتبلور الصورة كي يُخلدها الفنان في كتاب أو مشهد أو فيلم! ولكن هذا لا ينفي أن مسلسل «بنت اسمها ذات» المأخوذ عن رواية الروائي صنع الله إبراهيم، قد نجح في رصد التحولات الاجتماعية والسياسية المهمة، التي مرّت بمصر منذ قيام ثورة يوليو وحتى اندلاع ثورة 25 يناير. المسلسلان يستحقان المتابعة بالفعل، ويكفي أن ينظر المرء للعملين، ويترحّم على الماضي الجميل الذي كانت تحيا فيه مجتمعاتنا، ويحزن على آفة التطرّف الفكري التي سيطرت على العقول، لتتساءل.. لماذا تركنا أنفسنا في يد البعض، ليعبث بمقدرات حياتنا إلى هذا الحد؟! ألم يحن الوقت لنهبَّ واقفين، ونُدافع عن أوطاننا من أجل الأجيال القادمة؟!