أصبح السؤال حول مصير اللغة العربية وهويتها الثقافية في ظل واقع العولمة وتفاعلاتها الكبرى، محوراً للكثير من الندوات والمؤتمرات اللغوية العربية مع مطلع القرن الحادي والعشرين، كما أصبح عنواناً لبعض المؤلفات والمقالات التي تتساءل: هل ستنقرض اللغة العربية أمام زحف الإنجليزية التي أصبحت اللغة الرسمية في «القرية الكونية»؟ والواقع أن هذا السؤال القلق لم يأت من فراغ أو من دون مقدمات، كما يوضح النحوُّي والأكاديمي البارز ومستشار «اليونسكو» السابق في تدريس اللغة العربية، الدكتور نهاد الموسى، في إصداره الجديد «اللغة العربية وسؤال المصير»، والذي نعرضه هنا بإيجاز، حيث يذكر أن اللغة العربية تتعرض هذه الأيام لظاهرة تكاد تشبه «الغزو»، لما تحمله من دلالة على تغلغل «الآخر» بألفاظه اللغوية ومحمولاته الثقافية. وإن مثّلت هذه الألفاظ الأجنبية «فيضاً» في بدايات القرن الماضي، فقد غدت «طوفاناً» في زمن العولمة؛ حين انهارت الحواجز، وانفتح المشهد الكوني، وأصبحت اللغة ساحة مكشوفة لكل ما ابتكره الآخر. وأمام السؤال المصيري حول مستقبل اللغة العربية، يُقسِّم المؤلف مواقف الدارسين وعلماء اللسانيات موقفين متقابلين؛ حيث يرى أصحاب الموقف الأول أن اللغة العربية محفوظة حِفْظَ الذكر الحكيم بإطلاق، وأنها لذلك السبب ستظل ذات مكانة فريدة بين كافة اللغات، بما هي وعاء تراث ممتد عبر الزمن دون انقطاع منذ سبعة عشر قرناً، وكونها لسان التواصل في فضاء عربي واسع، علاوة على أنها رأس مقومات الأمة، وعنوان هويتها في مواجهة الآخر. ويستشهد هذا الفريق ببعض علماء اللسانيات الغربيين الذين يصنفون العربية ضمن لغات قليلة يُتوقع لها أن تصمد أمام هيمنة اللغة الإنجليزية على «القرية الكونية»، ومن ذلك ما انتهى إليه الكاتب الإسباني «كاميلو جوزي سيلا»، الحائز جائزة نوبل في الآداب لعام 1989، ضمن تنبؤاته المستقبلية حول ما ستؤول إليه الألسنة البشرية الحالية، حيث يرى أن ثورة الاتصالات والمعلومات التي اختزلت بُعْد الزمان وألغت بعد المكان، وتجاوزت حواجز أدوات التعبير، ستؤدي تدريجياً إلى انسحاب أغلب اللغات من ساحة التعامل الكوني، باستثناء أربع منها قادرة على مواصلة حضورها العالمي، هي: الإنجليزية، الإسبانية، العربية، والصينية. هذا علاوة على أن الجداول البيانية حول صعود اللغات وانحدارها لعام 2050، تجعل اللغة العربية في مصافّ اللغات الكبرى. بل تم تصنيفها قبل سنوات قليلة ضمن اللغات «القواتل»، أي التي تقضي على استعمال لغات أخرى؛ وهي: الإنجليزية، والإسبانية، والبرتغالية، والروسية، والعربية، والسواحلية، والصينية، والإندونيسية الملاوية. وعلى العكس من ذلك، يرى الفريق الآخر أن اللغة العربية تتآكل، وأنها ستنحسر بعد بضعة عقود إلى دائرة التعبد فقط. وكما يشيرون، فهي تتراجع الآن في ظل تنامي النزعات الجهوية، وتغليب اللهجات المحكية، وهيمنة الازدواجية اللغوية، أو بالأحرى تعطيل فعالية اللغة العربية في مجالات العلوم والتكنولوجيا وإدارة المال والأعمال، بينما يسيطر في وسائل التواصل الاجتماعي خليط من أنماط العامية والتعبيرات الأجنبية. ويؤكد هذا الفريق رأيه بالقول، إن تعليم اللغة العربية فشل في أن يكون منافساً لتعليم اللغات الأخرى، وأن آفة الضعف تجاوزت الكتاب المدرسي والمنهج الدراسي إلى معلمي العربية أنفسهم، فانتقلت عدوى الضعف إلى التلاميذ، ودخلت العربية في الحلقة المفرغة. ولعل أخطر التهديدات التي تواجه اللغة العربية الفصحى، كما يرى المؤلف، تتمثل في الازدواجية القائمة بين الفصحى والعامية، حيث غدت العربية الفصحى لغة كتاب لا لغة خطاب، الأمر الذي أدى -مع عوامل أخرى- إلى إفقادها الفاعلية في مجال البحث العلمي، إذ بات أصحابها في ظل الثورات العلمية والتقنية المتعاقبة، مجرد مستقبلين مستهلكين. هذا بعد أن تراجعت في مجال التعليم مفسحة المجال للإنجليزية التي باتت تصنف كـ«لغة قاتلة»، حيث نجد أنها أصبحت تسيطر على شبكة الإنترنت، كما باتت لغة البحث والتخاطب في المؤتمرات العالمية... هذا بالتوازي مع بروز ظاهرة «موت اللغات»، الظاهرة التي باتت تشكل عنواناً يومياً كسائر عناوين العولمة، ورموزها، ولافتاتها. وفي ملتقى تلك العوامل والمرجعيات، يعتقد المؤلف أن مصير اللغة العربية يبقى مرهوناً بتفكيك منظومة من القيم والقوى، تؤول في نهاية التحليل إلى جدل «الثقافي» و«الاقتصادي»، وتتمثل هذه القوى في شبكة من العلاقات: علاقة العربية بالنص المقدّس، وعلاقتها بالتراث، وعلاقتها بالهوية، وعلاقاتها بالتعليم، والاقتصاد، والازدواجية، والثنائية، والعلوم، والعولمة. محمد ولد المنى ------- الكتاب: اللغة العربية وسؤال المصير المؤلف: نهاد الموسى الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2013