تشهد الولايات المتحدة الآن تحولاً نحو دولة غير فاعلة، ومن الناحية السياسية، ما فتئت تسجل مواقف تنمّ عن الضعف يوماً بعد آخر، رغم أنها تتقدم من الناحيتين الاقتصادية والتكنولوجية بسرعة مذهلة. وهذا الوصف تداعى إلى مخيلتي عندما قرأت تقريراً جديداً صادراً عن مؤسسة «ميريل لينش» المتخصصة بتقييم الأداء الاقتصادي، يشير إلى أن «إعادة الحياة إلى اقتصاد الولايات المتحدة تتم وفق نسق سليم»، كما اطلعت على تقرير آخر صادر عن «مكتب الولايات المتحدة لحقوق الملكية الفكرية والعلامات المسجلة» يشير إلى أن الفجوة التكنولوجية التي تفصل الولايات المتحدة عن أقرب منافسيها أصبحت أكثر اتساعاً مما كانت عليه في أي وقت سابق. أما عندما يتعلق الأمر بصورة الولايات المتحدة في الخارج، فإن وجهها يبدو وكأنه مصاب ببيضة متفجرة. وما كادت فضيحة انشقاق الخبير السابق في وكالة الأمن الوطني إدوارد سنودن تختفي من واجهات الصحف، حتى تفجرت فضيحة جديدة لتسريبات سنودن تفيد بتنصت الولايات المتحدة على الاتصالات في أوروبا وأميركا اللاتينية، ما أثار حفيظة أصدقائها وأعدائها على حد سواء. وحتى أقرب حلفاء واشنطن إليها، مثل المكسيك وكولومبيا وتشيلي، تطالب الآن بتوضيحات واعتذارات صريحة من الإدارة الأميركية. ويمكن اعتبار ما حدث أكبر فضيحة دبلوماسية تتعرض لها الولايات المتحدة منذ تسريبات ويكيليكس عام 2010 لآلاف البرقيات الدبلوماسية الأميركية، والتي يفضح بعضها كبار المسؤولين الأميركيين. وعندما يتعلق الأمر بالسياسة المحلية، لا يبدو أن واشنطن تعمل بطريقة أفضل. ومن ذلك أن النشاط التشريعي للكونجرس هو الأسوأ والأبطأ على الإطلاق. فقد مرّر الكونجرس في دورته الحالية، ورقمها 113 منذ تأسيسه، 15 مشروع قانون فقط خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، وهو انخفاض تاريخي وفق كل المقاييس. ثم إنه من غير المحتمل أن يتعاون الديمقراطيون والجمهوريون في حل القضايا العالقة، فيما نحن نقترب من موعد الانتخابات النصفية عام 2014. أما من الناحيتين الاقتصادية والتكنولوجية، فالقصة مختلفة تماماً. وخلال الأسبوع الماضي، سجل كل من مؤشر «داو جونز» الصناعي ومؤشر «ستاندارد أند بورز» للأسهم الذي يعدّ 500 نقطة، أعلى مستوى لهما في التاريخ، وأعلنت حكومة الولايات المتحدة تسجيل فائض في الميزانية بلغ 116 مليار دولار خلال شهر يونيو، وهو الأعلى خلال خمس سنوات. والأهم من ذلك أن التنبؤات المتعلقة بمستقبل الاقتصاد الأميركي على المدى البعيد تدفع للتفاؤل. ووفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة «ميريل لينش لإدارة الثروات»، عنوانه «عالم متغيّر»، فإن «الانتعاش» الذي يشهده اقتصاد الولايات المتحدة حالياً يمكن أن يُعزى لأسباب ثلاثة: تنامي هامش الاستقلالية في مجال الطاقة، وتزايد قدرة القطاع الصناعي على المنافسة العالمية، والاحتفاظ بموقع الريادة في المجالات التكنولوجية. وبعد أن ظلت الولايات المتحدة تعتمد على وارداتها النفطية منذ 70 عاماً، أصبحت اليوم على وشك تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة بفضل تطوير تكنولوجيا جديدة لاستخراج الغاز الطبيعي تعتمد على الحفر الهيدروليكي للآبار. وسوف تنتشر فضائل هذه الثورة الجديدة في إنتاج الطاقة لتترك آثارها الإيجابية في زوايا الاقتصاد وأركانه كلها طالما أن الصنّاع التكنولوجيين في أرجاء الولايات المتحدة كافة سوف يستفيدون من انخفاض تكاليف الطاقة وفقاً لما جاء في التقرير. ويذكر التقرير أنه بالتزامن مع هذه التطورات الإيجابية، كان لحملات صرف العمالة الفائضة عن الحاجة، والتي ترافقت مع البوادر القوية للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، أن خفضت من تكاليف العمالة وجعلت الشركات الأميركية أكثر ربحية ومنتجاتها أكثر قدرة على التنافس. ومما يدعو للتفاؤل النمو الانفجاري في مجال الابتكار التكنولوجي والذي تحقق في مجال تطوير الروبوتات والحوسبة السحابية والاستطباب الشخصي المبني على تقنية الاختبارات الجينية "الوراثية". ويقول التقرير إن من شأن هذه التطورات المساهمة في دفع الاقتصاد الأميركي أكثر فأكثر. ويؤكد تقرير منفصل صادر عن «مكتب الولايات المتحدة لحقوق الملكية الفكرية والعلامات المسجلة» أنه عندما يتعلق الأمر بالابتكار والاختراع، فإن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بموقعها الذي يتقدم بأشواط طويلة عن أي دولة أخرى في العالم. فقد سجّلت الشركات والأفراد 134200 براءة اختراع جديدة في المكتب المذكور خلال عام 2012، ارتفاعاً من 121300 براءة في سنة 2011. ويُعتبر عدد براءات الاختراع المسجلة في الولايات المتحدة مؤشراً مهماً لأن المخترعين المنتمين لمعظم بلدان العالم الصناعية يفضلون تسجيل ابتكاراتهم في أضخم سوق لها في العالم. وتأتي بعد الولايات المتحدة في عدد براءات الاختراع المسجلة: اليابان 52800، ألمانيا 15000، كوريا الجنوبية 14000. وللمقارنة تجدر الإشارة إلى أن الصين سجلت 6000 براءة والهند 1700، وروسيا 340. وفي دول أميركا اللاتينية، سجلت البرازيل 256 براءة، والمكسيك 153، والأرجنتين 67، والشيلي 38، وفنزويلا 26 وكولومبيا 16.. خلال السنة ذاتها. ويتفق معظم الاقتصاديين على أن براءات الاختراع ما زالت تعزز موقعها كمؤشر مهم للنمو الاقتصادي، لأن العالم ينحو بشكل متزايد نحو الاقتصاد المعرفي، حيث يمكن للبلدان المتقدمة التي تنتج السلع والخدمات ذات التكنولوجيا العالية أن تصبح أكثر غنى من تلك التي تكتفي ببيع المواد الأولية. وليس من قبيل المصادفة أن يكون أغنى رجال العالم، من أمثال مؤسس شركة مايكروسوفت بيل جيتس أو رجل الاتصالات المكسيكي كارلوس سليم، من المشتغلين بمثل هذه السلع التكنولوجية. وفي عالم اليوم، يمكن لبرنامج تطبيقي ناجح (سوفتوير) أو لتصميم رقمي شعبي، أن يحقق صادرات تفوق في أهميتها الأغذية أو حتى معظم أنواع المعادن. وشخصياً، عندما أسافر خارج الولايات المتحدة ويبادرني أحد بالسؤال عن الحال فيها، عادة ما أجيبه بأن الأمر يتعلق بالزاوية التي تنظر من خلالها للموضوع. فمن الناحية السياسية، هي تفقد الأرض، ومن الناحية الاقتصادية والتكنولوجيا تعيش فورة حقيقية. أو هي أشبه بعملاق خلاّق يعمل بجهد، لكنه يفتقر للمهارات الاجتماعية. ويمكن أن تضحك على فشله السياسي، أو يصيبك بالذهول من قدرته على الابتكار. ------- أندرياس أوبنهايمر صحفي أرجنتيني مقيم في الولايات المتحدة -------- ينشر بترتيب مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»