يبدو قرار الأمير ويليام بالحصول على إجازة أبوة قانونية مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين أمراً سخيفاً، لأن في وسع وريث عرش بريطانيا أن يتمتع بعيش رغيد من دون انتظار راتبه الأسبوعي الذي يبلغ 206 دولارات فقط والمموَّل من دافعي الضرائب، ويحق للرجال في بريطانيا أن يتقاضوه عند حصولهم على إجازة أبوّة تعقب ولادة زوجاتهم. لكن هذه الإيماءة الرمزية التي اختارها الأمير تنطوي على الكثير من الذكاء من وجهة نظر البريطانيين، لاسيما أنه بادر بعد ذلك إلى إصدار بيان ينطوي على الكثير من الجرأة، صاغه بأسلوبه الذكي البعيد عن السياسة، وبحيث يعكس طريقة الرجل النبيل في دعم فكرة المساواة بين الرجل والمرأة في مكان العمل. وكان من سوء طالع هذه الرسالة أن تواجه الإهمال وسط هيستيريا انتقاء الاسم المناسب للطفل الملكي الجديد خلال هذا الأسبوع. وأصبحنا نحن في الولايات المتحدة نشعر أننا بأمس الحاجة لسماع مثل هذا التصريح، إذا كنا نريد تجاوز مشكلة التمييز بين الجنسين في مكان العمل والتي ما فتئت النساء تعانيها. وما زالت الولايات المتحدة متأخرة عن أوروبا فيما يتعلق بوضع سياسة ناجحة للإجازات الأسرية. فالولايات المتحدة هي الدولة الصناعية الوحيدة التي لا تمنح موظفاتها الأمهات الجديدات أي نوع من أمن العمل، ولا تمتعهنّ بحق إجازة الأمومة المدفوعة الأجر، وهي الاقتصاد المتقدم الوحيد الذي لا يضمن لعامليه الإجازات المأجورة، بل تكتفي بتلبية بعض المطالب الأساسية للأمهات العاملات. لكن إذا كان 31 بالمئة من النساء ذوات الكفاءة العالية يغادرن وظائفهن لفترات طويلة للالتحاق بأطفالهن، وإذا انخفض المستوى الوظيفي لما يعادل 66 بالمئة منهن ممن كنّ يتمتعن بوظائف رفيعة المستوى ليصبحن أقل شأنا أو يعملن بساعات عمل جزئية أو بنظام الساعات المرنة، فهذا يعني خسارة كبيرة من قيمة رأس المال البشري، كما وجدت المختصة في الاقتصاد «سيلفيا آن هوليت». ولقد أثبتت الإجراءات الإصلاحية الهادفة لحل هذه المشكلة ومساعدة النساء في إقامة التوازن المطلوب بين متطلبات العمل وحقوق العائلة، نجاحها في إبقائهن على رأس عملهن حتى لو احتفظن بطاقتهن الإنجازية الدنيا. لكن لا تزال هذه السياسات مخيبة للآمال عندما يتعلق الأمر بمساعدتهن على التقدم والارتقاء وفقاً للمواهب التي يتمتعن بها. وفي أوروبا، حيث تتوفر الإجازات السخية والسياسات المرنة في قوانين العمل بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر، يُلاحظ تكرر الظاهرة ذاتها حيث يتقدم الرجال باطراد وتتراجع النساء. ويرتفع مستوى الإحباط في دول الاتحاد الأوروبي الذي تشكل فيه النساء نسبة 3 في المئة فقط من مناصب المديرين التنفيذيين و15 في المئة من أعضاء مجالس الإدارة، إلى درجة أن بعض الناشطات النسويات، كالفيلسوفة الفرنسية «إليزابيث بادينتر»، ترى أن الإفراط في عقد الصداقات العائلية أثبت أنه عدو تقدم المرأة في موقع العمل. وفي السويد، يحق للآباء الجدد الحصول على إجازة عام كامل مدفوعة الأجر، ثم العمل بنسبة 80 في المئة من الوقت الأصلي للدوام بأجر كامل حتى يصبح الطفل في الثامنة من عمره. وترى عالمة الاجتماع البريطانية «كاثرين حكيم» أن هذه المشاكل تقف وراء انخفاض تمثيل النساء في المناصب العليا للشركات الكبرى في السويد بشكل لافت للنظر. ففي عام 2012 شغلت النساء السويديات 22 في المئة فقط من المناصب الإدارية العليا، ما دفع الحكومة إلى تشكيل لجنة لدراسة أسباب ظاهرة تباطؤ تقدم النساء في مواقع العمل. ورغم أن الإجازات المأجورة والسياسات المرنة في العمل تشكل عوامل إيجابية في مجال ترقية نوعية الحياة بالنسبة للأطفال والعائلات على حد سواء، فإنها لم تخدم قضية مساواة المرأة بالرجل في مكان العمل. وترى «روبن إيلاي»، الخبيرة في السلوك المؤسساتي بـ«معهد هارفارد للتجارة»، أن لهذه السياسات تأثيراً عكسياً من شأنه أن يكرّس الوضع الراهن. ويعود ذلك لأنها تركز على معالجة الصعوبات والتحديات التي تواجهها النساء في تحقيق حالة من التوازن بين العمل والعائلة في فترة الأمومة، وبذلك تكون هذه السياسات قد أغفلت الخوض في القضايا المهمة التي تتمحور بشكل أساسي، في الولايات المتحدة تحديداً، حول الثقافة الذكورية السائدة في مواقع العمل. ويبدو أن الحكومة البريطانية تتفهم هذا الأمر بشكل جيد، حيث ترفض العمل بالنظام الحالي الذي يقضي بمنح إجازة أمومة لمدة عام كامل وإجازة أبوة لمدة أسبوعين كما هو الحال في القوانين «الإدواردية» التي عُرف عنها الانتصار للنساء وتهميش دور الرجال. وبناءً على ذلك، سنّت بريطانيا مجموعة جديدة من القوانين في الخريف الماضي تهدف لإعطاء الأمهات والآباء الحق في المشاركة الكاملة بالإجازة لمدة عام كامل بعد ولادة الطفل، ابتداءً من عام 2015، بواقع ستة أشهر للأم ومثلها للأب، وبحيث تكون لهما الحرية في اختيار موعد بدء الإجازة بحسب ظروفهما الخاصة. وقال وزير علاقات العمل والمستهلك «جو سوينسون» إن الهدف من هذه القوانين الجديدة هو تغيير ثقافة العمل بشكل جذري. ولا شك أن التقدم سيكون بطيئاً في هذا المجال، فقد استفاد 1600 أب فقط من الإصلاحات الحكومية الأخيرة في خريف 2011 والتي سمحت للآباء بالحصول على آخر ستة أشهر من إجازات شريكاتهم. وقال «سوينسون» إن الحكومة توقعت أن يستفيد 8 بالمئة من الأزواج من الإجازة المحايدة بين الجنسين. ودعونا نأمل أن تمثل مبادرة الأمير ويليام لأخذ إجازة أبوة، مصدراً لقدر أكبر من الإلهام. جوديث وورنر أستاذة كرسي في مركز "AMERICAN PROGRESS" ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»