ما الذي أسقط حكم «إخوان» مصر؟ هذا سؤال يجب أن يشغل قادة «الإخوان»، بعد أن يفيقوا من هول الصدمة ويتجاوزوا عمق المرارة بالهزيمة. في عملية مكاشفة للذات، يتهم «الإخوان» الجيش بأنه أطاح بحكمهم عبر «مؤامرة» داخلية وخارجية، لكنهم يتجاهلون أن الجيش ما كان له أن يقدم على ذلك لولا تأييد غالبية المجتمع المصري ودعم مؤسسات الدولة العريقة: القضاء والأزهر والكنيسة والإعلام والثقافة والقوى السياسية لتحركه. ويتناسى «الإخوان» أن الجيش ما كان إلا أداة الشعب في تنفيذ مطالبه بعزل الرئيس الذي فقد شرعيته لدى غالبية المجتمع المصري ومؤسساته، وأنه استجاب لأصوات الملايين التي خرجت في أكبر تظاهرة بشرية تطالب بعزل الرئيس، بعد أن رفض التنحي والاستفتاء المبكر وتمسك بأنه الرئيس الشرعي الذي تجب طاعته، مهدداً بأن دون عزله دماء ورقاباً! هل كان بمقدور الجيش أن يتقاعس في حماية الشعب الذي استنجد به وهو يرى الأخطار المحدقة؟! لقد قال السيسي كلمته المؤثرة: «نحن لا نستحق الحياة إذا تركنا شعبنا يتعرَّض للخطر». وعلى «الإخوان» أن يدركوا أن خصمهم الحقيقي هو الشعب بطبقاته وطوائفه وقواه ومؤسساته، لا الجيش، لذا عليهم، اليوم، دراسة حالة الكراهية والرفض لهم من قبل قطاع كبير من المصريين، كما يقول جمال خاشقجي، عليهم البحث عن أسباب رفض المجتمع لهم وسخطه عليهم وقد كانت الغالبية منهم متعاطفة معهم وأوصلتهم للسلطة! لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب ولا التحسر على ضياع السلطة، فالله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء وينزعها ممن يشاء، ابتلاءً واختباراً. إن خسارة «الإخوان» الكبرى ليست خسارة السلطة، بل خسارة القلوب والعقول التي جاهدوا طويلاً في كسبها، فهي خسارة أكبر من خسارة الحكم، ولقد خسروا في سنة الحكم كل ما اكتسبوه خلال 80 عاماً! يستطيع «الإخوان» استعادة السلطة بالعمل على كسب العقول والقلوب من جديد والمشاركة السياسية بدلاً من اللجوء إلى خيار العنف وقطع السبيل وإثارة الفوضى ومهاجمة المنشآت والدعاء على الآخرين والتظاهر أمام السفارات الأجنبية للاستقواء بالأجنبي وسياسة إحراق الأرض وعدم تمكين الحكم الجديد من تطبيع الأوضاع في الشارع. فكل ذلك لن يعيد مرسي إلى الكرسي، بل سيزيد من كراهية الشعب لهم، يدافعون عن «الشرعية»، ولكن ما قيمة الشرعية إذا لم تسندها «الشعبية»؟ ما قيمة أن تحكم شعباً يكرهك؟! مشكلة «الإخوان» أنهم لم يستطيعوا الاندماج في الحياة السياسية وفي المجتمع طوال 80 عاماً، فظلوا في صراعات لا تنتهي مع المجتمع والدولة، وأصبحوا غير قادرين على فهم «طبيعة» الشعب المصري المنفتحة على الحياة والمتسامحة مع الآخر والمعتدلة في طريقة تدينها والمتمسكة بأسلوب معيشتها وبمدنية دولتها. حاولوا فرض ثقافتهم على المجتمع والدولة عبر «ملحمة التمكين» في استنساخ مشوه للتجربة الخمينية، مما استنفر كافة مؤسسات المجتمع وقواه الوطنية للوقوف في وجههم. كانوا في عجلة من أمرهم، يريدون سرعة الوصول بالبلاد إلى وضع يستحيل فيه نزع السلطة منهم، لا بانقلاب عسكري ولا بصندوق انتخابي، وهو ما جعل المصريين لا يصبرون عليهم كما صبروا على السابقين، فثاروا عليهم هذه الثورة غير المسبوقة، لأنهم استشعروا خطورة خطة «التمكين» الإخوانية على هوية مصر ومدنية دولتها واستنارة ثقافتها واعتدال أزهرها. فالشعوب لا تخرج بهذه الكثافة إلا لأمر جلل يمس مصيرها، والجيش لم يتحرَّك إلا استشعاراً بأن الأمن القومي لمصر، أصبح مهدداً. خرج المصريون جميعاً من أجل استعادة روح مصر وعودتها لمكانتها ولهويتها الثقافية والتاريخية ولوضعها الطبيعي الذي قال عنه حافظ إبراهيم في رائعته «مصر تتحدث عن نفسها» والتي تشدو بها أم كلثوم: «أنا تاج العلا في مفرق الشرق/ ودراته فرائد عقدي/ إن مجدي في الأوليات عريق/ من له مثل أولياتي ومجدي»، وهو ما عبر عنه بصدق الدكتور الببلاوي: «مصر عادت للعرب وعادت لطبيعتها الأولى التي ترى في دول الخليج سنداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً». إن قدر مصر على مر التاريخ أن تكون الدولة الحاضنة للعرب، الحامية لأمنهم، المحافظة على مصالحهم، وقد كانت وعلى الدوام «العمود الفقري» لمحور الاعتدال العربي، وأزهرها الشريف منارة الوسطية في العالمين العربي والإسلامي، وكان لمصر دائماً الدور الإقليمي الوازن للأدوار الخارجية الأخرى... لكن كل هذا قد انحسر في عصر «الإخوان»، وإذا كان المصريون رأوا في حكم «الإخوان» تغييباً لروح مصر، فإن العرب والخليجيين بالذات رأوا في حكم «الإخوان»، تفريطاً في الدور المصري عبر نزع مصر من عمقها العربي وإضعاف تحالفها الاستراتيجي مع الخليج لحساب محور أممي إسلامي طبقاً لعبد الله بن بجاد العتيبي، وهذا ما دفع الخليجيين للتوجس من حكم «الإخوان» وزاد من شكوكهم. وطبقاً للرميحي فإن «الإخوان» أبدوا عداءً سلبياً للخليج عبر مغازلة إيران وإظهار الشوكة من خلال تنشيط خلاياهم النائمة، كما حدث في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا ما يفسر ارتياح الخليجيين لعودة مصر، كما يفسر مسارعتهم لها بالدعم والتأييد، فهذا الدعم «مصلحة خليجية أولا»، لأن أمن مصر من أمن الخليج، واستقرار مصر من استقرار الخليج، وقوة مصر من قوة الخليج، وإن لمصر دَيناً في أعناقنا، ولها مكانة غالية في وجداننا، وكما قال حكيم العرب الشيخ زايد طيب الله ثراه: «إذا لم تأت مصر للعرب، على العرب أن يذهبوا إليها»، وكما يقول عبدالله بشارة: «إن الفزعة الخليجية لمصر هي في الحقيقة فزعة لدورها العقلاني والوسطي، ولدورها الحيوي في محور الاعتدال العربي، فهي المرجعية السياسية القادرة على المشاركة في صنع مستقبل العالم العربي»، فمصر دعامة الاستقرار في المنطقة كلها. وكما يقول النائب الكويتي أحمد المليطي فإن «التخلي عن مصر، تخلٍّ عن أنفسنا، وموقفها في تحرير الكويت، كان تاريخياً وقادت العالم العربي والإسلامي في اتجاه التحرير، ولولا وقوفها ممثلة في قيادتها للجامعة لكان القرار بالنسبة للمجتمع الدولي أصعب بكثير». إن دعم مصر والوقوف مع شعبها واحترام خياراته هو واجب العرب جميعاً في هذه المرحلة الصعبة التي تجتازها مصر، لتعود قوية آمنة، وتعاود دورها الريادي في محيطها العربي.