أحيت منظمة الصحة العالمية، والعديد من المنظمات والهيئات والجهات الدولية والإقليمية والمحلية، يوم أمس الأحد الموافق الثامن والعشرين من شهر يوليو، باليوم العالمي لالتهاب الكبد (World Hepatitis Day). ويتوافق هذا الحدث، الذي يعتبر الثالث منذ تبني دول العالم المختلفة لـ«إعلان التهاب الكبد الفيروسي» الصادر عن جمعية الصحة العالمية، وهي أعلى جهاز لاتخاذ القرار في منظمة الصحة العالمية، في شهر مايو عام 2010، مع يوم ميلاد العالم الأميركي «باروش بلومبرج»، الذي اكتشف فيروس الكبد «ب» عام 1967، ونجح في تطوير فحص لتشخيص الإصابة بالفيروس، وتطوير تطعيم قادر على الوقاية منه. ومنذ ذلك التاريخ، تشير التقديرات إلى أن هذا الفيروس تمكن من إصابة ملياري شخص، ويتسبب في وفاة 600 ألف سنوياً. وبوجه عام، تصيب الكبد خمسة أنواع مختلفة من الفيروسات، تتسبب مجتمعة في 1,4 مليون وفاة سنوياً، وإن كان أهمها هي فيروسات (A, B, C). وعلى رغم اختلاف هذه الفيروسات عن بعضها بعضاً في العديد من الجوانب، مثل التركيب الوراثي، وطريقة العدوى، والتبعات الصحية، إلا أنها تتشابه أيضاً في العديد من الجوانب، مثل تأثيرها على الكبد، وبالتحديد تسببها في التهاب الكبد وإصابته بالتليُّف، والسرطان لاحقاً، وبخاصة فيروسا (B, C). ولذا سنحاول في هذا المقال، استعراض بعض الاختلافات، والتشابهات، بين أنواع الفيروسات التي تصيب الكبد. الفيروس الأول، أي فيروس التهاب الكبد (A)، ينتقل بشكل رئيسي عند تناول شخص -لم يتعرض أبداً للعدوى بالفيروس سابقاً، ولم يتلقّ تطعيماً ضده- لطعام أو شراب، ملوث ببراز شخص مصاب بالفيروس. وهو ما يعني أن الإصابة بفيروس (A)، ترتبط بشكل وثيق بالظروف التي لا تتوافر فيها مياه شرب نظيفة صالحة للاستخدام البشري، وفي الظروف التي لا تتوافر فيها نظم صرف صحي حديثة وفعالة، بالإضافة إلى تراجع مستوى معايير النظافة الشخصية. وعلى عكس فيروسي (B, C)، لا يتسبب هذا الفيروس في مرض مزمن بالكبد، ونادراً ما يكون قاتلًا، وإن كان يمكنه أن يتسبب في أعراض شديدة الوطأة، وفي التهاب حاد جداً بالكبد، قد يؤدي بدوره إلى فشل حاد بالكبد، ووفاة المصاب. ويعتبر تلون الجلد والأغشية المخاطية والعينين باللون الأصفر (الصفراء)، من أهم الأعراض المصاحبة للإصابة بهذا الفيروس، بالإضافة إلى الشعور بالإرهاق الشديد، والغثيان الدائم، والإصابة بالحمى، وفقدان الشهية، وتلون البول والبراز بلون داكن. ويتوافر تطعيم فعال ضد هذا الفيروس منذ عام 1992، نجح بالفعل في خفض معدلات الإصابة بنسبة 90 في المئة في الدول التي تطبق برامج وطنية للتطعيم ضد فيروس (A)، مثل الولايات المتحدة والصين. أما فيروس (B)، فينتقل بشكل رئيسي عن طريق الدم الملوث، أو سوائل الجسم المحتوية على دم ملوث، كما هو الحال في عمليات نقل الدم، أو نقل أحد منتجات الدم، أو الاتصال الجنسي، أو من الأم إلى جنينها، وإن كان استخدام الحقن والإبر الملوثة بدم المصابين، وخصوصاً بين مدمني المخدرات، يعتبر أهم وسائل انتقال هذا الفيروس. ويمكن لهذا الفيروس أن يتسبب في التهاب حاد في الكبد، أو التهاب مزمن، حيث يعتبر من أخطر قضايا الصحة العامة حول العالم، نتيجة ما يتسبب فيه من تليُّف وفشل في الكبد، أو إصابته بالسرطان لاحقاً. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وجود حوالي 240 مليون شخص حول العالم مصابين بهذا الفيروس حالياً، بالإضافة إلى تسببه في وفاة 600 ألف سنوياً نتيجة المضاعفات الصحية المرتبطة بالتهاب وسرطان الكبد. ومثل فيروس (A)، تتوافر عدة أنواع من التطعيمات الفعالة ضد فيروس (B)، يمكن أن تعطى للأطفال أو البالغين في جرعتين، أو ثلاث، أو أربع، ويتوقع أن تمنح وقاية كافية لمدة 25 عاماً. والفيروس الثالث والخطير من الفيروسات التي قد تصيب الكبد، هو فيروس (C)، الذي تقع العدوى به عن طريق الدم الملوث، وهو ما يمكن أن يحدث عند الخضوع لعملية نقل دم، أو عند تلقي مشتقات دم ملوثة، أو نقل وزراعة عضو بشري من شخص مريض بالفيروس إلى شخص سليم، أو عن طريق الحقن الملوثة كما هو الحال عند تبادل الحقن بين مدمني المخدرات، أو من الأم المصابة بالفيروس إلى جنينها وطفلها أثناء الحمل والولادة، وأحياناً ما ينتقل هذا الفيروس عن طريق الاتصال الجنسي، وإن كان هذا الاحتمال نادر الحدوث إلى حد ما. وعلى عكس فيروسي (A, B)، لا يتوافر حاليًا تطعيم فعال ضد فيروس (C). وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وجود أكثر من 150 مليون شخص مصابين بشكل مزمن بفيروس (C)، يلقى 350 ألفاً منهم حتفهم سنوياً بسبب مضاعفات المرض. وبخلاف الإصابة بسرطان الكبد، يعتبر فشل وتليُّف الكبد المزمن من أخطر المضاعفات التي تنتج عن التهابات الكبد الفيروسية، حيث يصنف فشل وتليُّف الكبد ضمن أكثر أسباب الوفيات حول العالم، محتلاً المركز العاشر بين الذكور، والثاني عشر بين الإناث، على قائمة أسباب الوفيات في الولايات المتحدة مثلاً. وبالإضافة إلى هذا الثمن الإنساني الفادح، يحمل أيضاً فشل وتليف الكبد المزمن ثمناً اقتصادياً باهظاً، يتمثل في تكلفة العلاج بالأدوية والعقاقير، أو العلاج داخل المستشفيات، بالإضافة إلى فقدان الإنتاجية وفاقد القوى البشرية التي لا تقدر بثمن.