ليست الصين مجرد قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة على الساحة الدولية، بل هي قبل ذلك قوة فكرية وظفت قدرتها على التأمل وملكتها النقدية لرسم ملامح المستقبل والتحول إلى ما هي عليه الآن. وذلك ما يتناوله المؤلفان المتخصصان في الشؤون الصينية، أورفيل شيل وجون ديلوري، في كتابهما «الثروة والقوة... مسيرة الصين الطويلة نحو القرن الحادي والعشرين». فحسب الكتاب لا يمكن حصر الصعود الصيني في بعديه الاقتصادي والعسكري، إذ قد سبقهما تثوير الفكر وإحداث القطيعة مع الكونفوشيوسية التي اعتبرت المكون الثقافي والنفسي الأول للنسق الفكري الصيني. فمن «وي يوان» في بداية القرن التاسع عشر، والذي كان أول مفكر صيني ينتبه إلى أن الإمبراطورية الصينية تنطوي على عيوب قاتلة، إلى الرئيس الحالي تشي تجينبينج، تشكل الإهانات التي تجرعتها الصين طيلة تاريخها على أيدي قوى خارجة، العنصر الأبرز في الحفاظ على وحدة الصين وإثارة الأسئلة الشائكة حول سبل انبعاثها مجدداً ونفض غبار التخلف عنها. فالشعور بالمهانة والعار يكاد يلازم القادة الصينيين، وقد حاولوا توظيفه للنهوض، حيث لم يعد العار المتأتي من الهزائم المتكررة للصين على يد القوى الغربية أولاً، ثم اليابان ثانياً مصدر تثبيط للهمم، بل بات محفزاً للفكاك من ربقة ماض ينظر إليه من قبل المفكرين الصينيين على أنه السبب وراء التخلف. وبالنسبة للصين جاءت لحظة الاستفاقة الحقيقية مع حرب الأفيون الأولى عام 1842 التي تجرعت فيها مرارة الهزيمة على يد الإمبراطورية البريطانية، وما زالت تلك الهزيمة حاضرة في الوعي الجماعي للصينيين لأنها تؤشر إلى لحظة المواجهة مع الذات قبل الصراع مع الآخر، لحظة الاعتراف بالضعف الذي يولد الرغبة في الانعتاق والتحرر، لذا يرى الكتاب أن رحلة الصين منذ لحظة الانكشاف الأولى ومسيرتها الحثيثة نحو المستقبل كانت عبارة عن محاولات دؤوبة للإجابة عن سؤال التخلف والعثور على أجوبة التقدم والقوة، ومنذ تلك اللحظة بدأت الصين، من خلال مفكريها وكتابها تُسائل الأنماط الفكرية العتيقة التي انبنت عليها الصين والمتمثلة أساساً في العقائد الكونفوشيوسية. فبعد الهزيمة القاسية على يد البريطانيين، لم تصمد الصين أمام الهجمة الخارجية لتنقسم إلى إقطاعات وشبه دويلات، ثم جاءت الهزيمة الأخرى على يد اليابان التي أيضاً قسمت الصين ودفعتها إلى الانغلاق... كل ذلك دفع الصين إلى إعادة التفكير في نسجيها الثقافي والفكري، حيث لاحظ مصلحوها خلال القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم «ليانج كيشاو»، أنها «كبيرة لكنها ضعيفة». ومع أن العبارة كانت صادقة وتوصف بدقة حال الصين في تلك المرحلة، فإنه كان تشخيصاً شجاعاً وغير مسبوق، فكانت الوصفة التي اقترحها مفكرو القرن التاسع عشرة هي الانفتاح على الغرب والتبني الانتقائي لبعض المكاسب التكنولوجية. لكن بعد قرن من المحاولة وتجريب وصفات لم تكن ناجحة دائماً، وبعد إخفاقات ومزيد من التراجعات، وصل «ليانج كيشاو» إلى فكرة أخرى تقول إن الحل ليس في استيعاب بعض منجزات الغرب، بل في تغيير الذات، معتبراً أن العقائد الكونفوشيوسية القديمة التي تكرس لقيم التناغم مع المجتمع والسكينة والولاء، لم تعد مناسبة للصين وليست مطلوبة لتعزيز قوتها. وقد كانت أفكار القطيعة مع تقاليد الصين القديمة وأنساقها العقلية الضاربة بجذورها في البيئة الفكرية التقليدية، هي ما تلقفه قادة الصين القوميون من أمثال «سون يات سين» و«تشيانج كاي شيك»، حيث أمضوا سنوات طويلة وهم يبحثون عن الصيغة الذهنية المناسبة لتقدم الصين، مجربين في ذلك وصفات غربية كثيرة علّها تحقق المطلوب. ويرى المؤلفان أن ما تلا تلك المرحلة من محاولات «ماو تسي تونج» القاسية للنهوض بالصين، سواء من خلال «القفزة العظمى إلى الأمام»، أو «الثورة الثقافية» بنتائجها الكارثية، ينبغي ألا ينظر إليها من خلال الفكر الماركسي الراديكالي، وإنما في إطار التخلص من قيم السلبية الكامنة في الكونفوشيوسية. وقد ركز «ماو» على نسف فكرة «التناغم» الكونفوشيوسية وتعويضها بعقيدة «الثورة الدائمة». هذه السياسات القاسية التي انتهجها قائد الثورة الصينية، ورغم ما خلفته من ضحايا، كانت سبباً رئيسياً في نجاح سياسات «دينج تشياونج» التي فتحت الصين اقتصادياً وكانت وراء الإصلاحات الكبرى التي شهدها عهده بعد وفاة «ماو»، فبدون تمهيد الطريق واقتلاع الأفكار السلبية التي أعاقت تقدم الصين في الماضي، ما كان للسياسات للاقتصادية الجريئة والليبرالية المتحكم فيها أن ترى النور، فقبل أن تمتلك الصين أسباب الصعود، متمثلة في الثروة التي انعكست في تحسن مستوى معيشة السكان، والقوة التي باتت واضحة في التمدد العسكري، سلكت طريقاً صعباً وطويلاً تخللته عقبات وتكلفة باهظة لمراجعة أسسها الفكرية وتطهيرها من الشوائب في سبيل استعادة الصين لماء وجهها وضمان عدم تكرار انتكاسات الماضي. زهير الكساب -------- الكتاب: الثروة والقوة... مسيرة الصين الطويلة نحو القرن الحادي والعشرين المؤلفان: أورفيل شيل، وجون ديلوري الناشر: راندم هاوس تاريخ النشر: 2013