الزعماء والقادة في تاريخ العالم صناع مواقف وأحداث تذكر على مدار الزمن، وعندما تدلهمّ الأمور، فإن الناس تبحث لها عن منقذ يملك القدرة على فعل الإنقاذ. إننا اليوم أمام شخصية فذة لم يخبُ نجمه بغياب جسده عنا، بل هو زايد الذي لم يأفل ولم يخفت بريقه، فهو لا يزال الأثر الدال على مسيرتنا المباركة. وذكرى زايد رحمه الله، اليوم بالذات مهمة، لأن العالم العربي يمر بمفترق طرق بحاجة إلى حِكمة زايد ومواقفه المعروفة سلفاً في ظل هذه الأوضاع التي كانت فيها أقواله وأفعاله ومواقفه دواء ناجعاً لجروح الأمة المستمرة في النزف. وقع العالم العربي في صحراء من التيه يبحث عن نجم سهيل يرشده إلى طريق الخروج من الضياع، فلو كان زايد بيننا لكان الوضع مختلفاً، فهو رجل الملمات وصاحب المبادرات في الأوقات العصيبة فهو منذ أن دوت مقولته الشهيرة بأن البترول ليس أغلى من الدم العربي إلى مواقفه المعروفة أثناء غزو العراق للكويت، وحتى البوسنة والهرسك لم تكن عن ناظريه ببعيد، فمن للأمة العربية والإسلامية اليوم وهي تخوض معركة الانتصار على الفوضى التي حلت باسم «الربيع» وهو لا يقر لهم بذاك. تمر علينا الذكرى التاسعة لوفاة زايد رحمه الله، والعالم العربي على وجه الخصوص بأمسِّ الحاجة إلى وجوده، لأنه كان خيراً عميماً على العالم أجمع، فضلاً عن الأقربين. لم تكن ذكرى زايد يوماً حدثاً عابراً، بل كانت تاريخاً لصناعة الرجال الذين يؤدون أدواراً محسوسة وملموسة، تتلمسها الأجيال تلو الأخرى. لم يمت زايد هكذا، ورحل، بل فعاله حية تنسي الناس موته الجسدي، فتظل ذكراه منارات وقبسات من نور ترشد السائرين على نهجه، نحو إنجاز أكبر وعطاء أجود. لم يرحل زايد إلا بعد أن صنع دولة عصرية يفتخر العالم بإنجازاته التي وصفها البعض بالإعجاز، وفي زمن قياسي إذا ما قورنت بتاريخ بناء الحضارات التي أخذت من أعمارها مئات، بل وآلاف السنين. زايد ببساطة رجل الصحراء استطاع أن يصنع دولة حضارية تتحدث عنها الركبان على مدى الأزمان، ببنائه دولة اتحادية غيرت واقعاً من التفرقة والتشرذم، إلى وحدة شعبية قادها زايد من قلوب الناس وليس من رقابهم. طوال حياته العامرة ورث زايد ما هو أغلى من المال وكل الثروات ألا وهو غرس المحبة في القلوب والقناعات في العقول، ولم يغادر دنيانا إلا وقد ترك من حوله كوكبة من الرجال الذين عاهدوا الله على مواصلة سيرة زايد في شعبه والبناء عليها للأفضل والأدوم. فالإمارات اليوم بفضل نبع زايد الصافي مستمرة في جني ثمار ذلك الغراس في كل المجالات وعلى كل المستويات، فلا يمر يوم إلا والجوائز العالمية تتقاطر عليها من كل حدب وصوب، سواء على مستوى السعادة والرفاهية أو الحكومة الرشيدة والذكية. لأن زرع زايد قد نما، فلا مجال إلا أن يشق الخير مجراه، ويضع خلفاء زايد المؤتمنون على شعبه إرثه نصب أعينهم حتى تتواصل المسيرة وتحقق الأهداف المرجوة وتنفذ الاستراتيجيات طويلة المدى التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، عندما غرس عهد التمكين في كل مفاصل الدولة. ها نحن اليوم نستظل بشجرة الاتحاد الوارفة، نجني خلالها ما سقي بماء الأولين من جهودهم وعرق جبينهم، وتركوا للاحقين بهذا الركب المبارك فرصة الوصول إلى المراتب الأولى في هذه المسيرة المتواصلة بكل اقتدار من أجل خدمة هذا الشعب الكريم والحفاظ على رفاهيته وسعادته وهو الهدف الأسمى لكل ما تقوم به حكومة الإمارات من خلال مشاريعها التنموية المستدامة.