لابد أن نشهد لحزب "النهضة" الإسلامي في "تونس" الذي يرأسه "راشد الغنوشي" أنه حين مارس الحكم، بعد أن حصل على الأغلبية في انتخابات المجلس الانتقالي كان أكثر رشداً في سلوكه السياسي بالمقارنة بسلوك جماعة "الإخوان المسلمين". وذلك لأنه أدرك إدراكاً صحيحاً أن قواعد الشرعية الشكلية، التي تنص عليها منظومة الديموقراطية ليست مقدسة من ناحية، وقد لا تكون مناسبة للمجتمع العربي من ناحية أخرى. ونعني بكون هذه القواعد ليست مقدسة بأن التطبيق الحرفي لها قد يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي، إذا ظن حزب سياسي ما حصل على أغلبية أصوات الناخبين أن من حقه أن يشرع كما يشاء، وأن ينفرد انفراداً مطلقا بعملية صنع القرار، وأن يقصي أحزاب المعارضة السياسية على أساس أنها لاتمثل الأغلبية. ولذلك حرص حزب "النهضة" بعد أن حصل على الأغلبية في الانتخابات ألا ينفرد قادته بالحكم في المرحلة الانتقالية، ولذلك شغل الدكتور "منصف المرزوقي" وهو ليس إسلامي التوجه منصب رئيس الجمهورية، وشغل سياسي آخر رئاسة المجلس الانتقالي، واكتفى حزب "النهضة" أن يكون رئيس الوزراء من بين كوادره المعروفة. وبهذه الاستراتيجية الحكيمة استطاع حزب "النهضة" من خلال التوافق السياسي ألا يستبعد المعارضين من دائرة صنع القرار. ولو نظرنا إلى ممارسة جماعة "الإخوان المسلمين" في الحكم بعد انتخاب رئيس حزب "الحرية والعدالة" رئيساً للجمهورية لوجدناها مضادة تماماً للنهج التونسي الرشيد، بل إن الجماعة بالغت مبالغة شديدة في مجال إقصاء كل القوى السياسية على اختلاف مواقفها وبعضها من حلفائها من دائرة صنع القرار. وبذلك حرمت جماعة "الإخوان المسلمين" نفسها عامدة متعمدة من نعمة التشاور السياسي. ونقول إنها نعمة لأن المسؤول عن اتخاذ القرار وفقاً للقواعد الدستورية سيستفيد حتماً من سماع الآراء المتعددة والحلول المختلفة التي تقدمها الأطراف المتعددة فى العملية السياسية. وبذلك يخرج القرار مستوفياً شروطه السياسية الضرورية، وهي المرور بمرحلة تشاور قبل إصداره، ضماناً لعدم التطرف في تبني وجهة نظر قد تكون خاطئة تماماً، وقد تتسبب في مضاعفات سياسية غير مرغوبة. وحين حضر "راشد الغنوشي" إلى القاهرة منذ أمد قريب ودعته جريدة "الأهرام" إلى ندوة تحدث فيها، وقال عبارة اعتبرتها - كما قلت له- ذروة الحكمة السياسية. وهذه العبارة هي التي اقتبستها كعنوان لمقالنا، وهي "لا ديموقراطية بغير توافق سياسي". ولم يكتف "الغنوشي" رئيس حزب "النهضة" بتوزيع المناصب الرئيسية السياسية في المرحلة الانتقالية على الأحزاب السياسية المعارضة، ولكنه تجاوز ذلك قائلاً "في تونس كما في كل بلاد "الربيع العربي" لا يجوز بعد نهاية المرحلة الانتقالية أن ينفرد فصيل سياسي واحد - مهما كان اتجاهه إسلامياً أو ليبرالياً- بالحكم، والذي ينبغي أن يتم في إطار التوافق السياسي بين مختلف الأحزاب". ولا شك أن هذه الاستراتيجية السياسية تتضمن تعديلاً جذرياً للقواعد التقليدية في الديموقراطية، والتي تنص على أن الحزب السياسي الذي يحصل على الأغلبية من حقه أن يحكم منفرداً. ويستند "الغنوشي" في تعديلاته الجريئة على القواعد الديموقراطية التقليدية والشكلية على أنه من مصلحة البلاد العربية أن تنعم بالاستقرار السياسي والذي لا يمكن أن يتحقق إذا انفرد فصيل سياسي واحد بالحكم، ما قد يغريه بإقصاء كل القوى السياسية المعارضة، وممارسة ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية "ديكتاتورية الأغلبية"، حيث "يعربد" الحزب الحاكم في مجال التشريع كما يشاء، وقد يجنح رئيس الجمهورية الذي ينتمي لهذا الحزب إلى الديكتاتورية، استناداً إلى نتائج "صندوق الانتخابات". وفي ذلك كله تجاهل معيب لقاعدة أن الصندوق مجرد آلية من آليات الديموقراطية، وأهم منها قيم الديموقراطية التي تقوم على أساس الحوار والتشاور السياسي، وتبلغ ذروتها حين تحاول تحقيق التوافق السياسي. غير أن مسيرة جماعة "الإخوان المسلمين" كانت مضادة على طول الخط للمسيرة التونسية الرشيدة. ولم يكتف حكم "الإخوان" بالإقصاء الكامل لكل القوى السياسية من دائرة صنع القرار، سواء في ذلك التشريعات التي صدرت، أو حتى الدستور الذي سيطرت عليه عناصر "الإخوان" و"السلفيين"، ولكن الحكم الإخواني أدخل نفسه في معارك عقيمة ضد مؤسسات الدولة ذاتها، وأولها القوات المسلحة والقضاء والإعلام. لذلك لم يكن غريباً أن تستجيب غالبية الشعب لدعوة حملة "تمرد" وتخرج بالملايين إلى الميادين والشوارع لإسقاط حكم "الإخوان"، إعمالاً لمبدأ السيادة الشعبية الذي يعلو على قواعد الشرعية الشكلية التي تتشبث بها بشكل يائس قيادات "الإخوان". وقد أدهشني في الواقع أن بعض الكتاب المناصرين للإخوان المسلمين أجروا حسابات وهمية معقدة مستعينين في ذلك بمحرك "جوجل" المعروف على شبكة الإنترنت لٍيثبتوا أن الذين خرجوا في 30 يونيو لا يزيدون إطلاقاً عن بضعة آلاف، في حين أن أنصار الحكم "الإخواني" بالملايين! أليس ذلك خداعاً يائساً للذات؟ وإذا سلمنا بصحة لعبة الأعداد الكوميدية هذه هل تتصور قادة جماعة "الإخوان المسلمين" أنهم يمكن أن يحكموا مصر "بالعافية"، بالرغم من اعتراض كل مؤسسات الدولة الرئيسية، وفي مقدمتها القوات المسلحة والقضاء والإعلام وجماعات المثقفين، بل والمواطنين البسطاء رجالاً ونساءً الذين خرجوا يهتفون ضد طغيان جماعة "الإخوان"؟ وهل يعتقد هؤلاء أنه يمكن لهم باحتلال ميادين "رابعة العدوية" بما في ذلك من اعتداء صارخ على حرمات الناس وحرياتهم في الحركة والتنقل، بالإضافة إلى مظاهراتهم التي يسيرونها لاستفزاز القوات المسلحة، سواء بالتوجه إلى دار الحرس الجمهوري، أو وزارة الدفاع يمكن أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء؟ هذه محاولات يائسة تقوم على أساس إنكار الواقع، وهو بكل بساطة الرفض الشعبي القاطع لحكم "الإخوان المسلمين" بكل ما كان يتضمنه من استبداد وإقصاء. ليس أمام جماعة "الإخوان" المسلمين سوى ممارسة النقد الذاتي لاكتشاف الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها قادتها، ولكن متى كان المستبدون لديهم الشجاعة الأدبية للاعتراف بالأخطاء الجسيمة، التي وقعت في حق الوطن، والشعب؟