في مواجهة أزمة تطحن مجتمعه، من منا لم تمتد يده إلى كتاب قرأه منذ سنين عن موضوع مشابه مستلهماً إياه في البحث عن مخرج؟ في هذه القراءة الثانية، قد يرى أن رؤية الكتاب عفا عليها الزمن أو على العكس، يرى أن الكتاب وصف الأزمة قبل حدوثها وقام بتشخيص الداء لتسهيل الدواء. هذا ما حدث معي في قلقي من غليان الشارع المصري المتزايد، وقد تصفحت كتاباً لهنتنجتون. هو فعلاً أستاذ جامعة هارفارد الأشهر ومؤلف الكتاب الذائع الصيت عن صدام الحضارات، ولكن المقصود هنا ليس هذا الكتاب ولكن كتاباً آخر غير معروف نسبياً عن «الاستقرار السياسي في المجتمعات المتغيرة». وبداية يجب أن نذكر أن هنتنجتون أصيب بمرض الزهايمر منذ أكثر من عقد من الزمن وغادر منزله إلى مصحة للمسنين للعناية به، ثم توفي منذ ما يقرب من حوالي خمسة أعوام، وبالتالي لم يرَ رؤية العين الأزمة المصرية الحالية ولا حتى سقوط مبارك في بداية 2011. والسؤال المنطقي: كيف يساعدنا من هو في القبر على معرفة ما يحدث في حياة مصر حالياً وعلى أرضها؟ والإجابة أن كتابه عن الاستقرار السياسي في مرحلة التحول يبين لنا سمات الأزمة في هذا النوع من المجتمعات وأسبابها، وبمعنى آخر تبدو الأزمة المصرية الحالية مختبراً وتأكيداً لما قاله هنتنجتون منذ 45 عاماً. وكما يدل كتابه صراع الحضارات، فإن هنتنجتون ينتمي فكرياً لما يسمى بـ«المحافظين الجدد» وكتابه عن «من نحن» الذي يحلل الشخصية القومية الأميركية يدل على شوفينية أميركية واضحة، وخاصة إلى جانب الأميركيين الأوائل من البيض وذوي الديانة البروتستانتية، وحتى ضد المهاجرين من المكسيكيين وأبناء أميركا اللاتينية الذين يهددون سيادة الجنس الأبيض وسيطرة اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة في الجنوب مثل فلوريدا أو في الغرب في كاليفورنيا. وتحيزات هذا المحافظ تبدو أيضاً في الكتاب الذي يهمنا والخاص بالاستقرار السياسي في مرحلة التحول، والذي يجعله، وهو يكتب في قمة الحرب الباردة متفهماً للدول الشيوعية التي -على رغم القمع الذي تمارسه ومساوئ الحكم الأخرى- يمكن التسامح معها لأنها تحافظ على الاستقرار السياسي داخل حدودها، بعكس دول العالم الثالث التي تعاني انقلاباً بعد انقلاب في سلسلة من الفوضى السياسية. ما هو أساس البلاء إذن في دول العالم الثالث هذه الذي يجعلها أسيرة الفوضى وعواقبها الاقتصادية والسياسية ومآسي مواطنيها من حروب أهلية وحتى المجاعة؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي يتعرض له هنتنجتون في الستينيات والذي أعتقد أنه لازال مرجعاً رئيسياً بعد 45 عاماً من نشر كتابه، ويجعل هذا الكتاب من كلاسيكيات العلوم السياسية ونظم الحكم مقارنة بما ظهر قبله، أو في زمنه، ثم بعده من مئات الكتب التي تتعرض لنفس الموضوع. ما هي نظريته ومقولته باختصار شديد؟ كما يقول هنتنجتون فإن كتابه لا يتعرض للديمقراطيات التاريخية التي نجحت في تخطي مرحلة عنق الزجاجة؟ أو -على النقيض- للدول الفقيرة التي تتحسس خطا التطور، والتي يغط معظمها في سبات عميق. يهتم هنتنجتون بنوع ثالث، أي الدول التي هي في الحلقة الوسطى أي بين بين، على أنها هي الدول التي تواجه مشكلة الاستقرار السياسي، أو مشكلة غيابه ونقصانه بمعنى أصح. فعلى عكس الدول الراكدة والنائمة تمر دول الحلقة الوسطى ببرنامج التنمية الاقتصادية التي قد تطلق عليها جماعات وقوى اجتماعية جديدة من عزلتها، سواء كانوا عمالاً التحقوا بالمصانع الجديدة أو مثلاً ريفيين، أو بدواً مهاجرين من أماكنهم للذهاب إلى المدينة والبحث عن عمل. وإنشاء المصانع والهجرة إلى المدينة لا يؤدي فقط إلى ضرورة تعلم سلوكيات جديدة ولكن يؤدي إلى اهتزاز القيم ومعايير المعيشة والسلوك، والحيرة بين القديم والجديد. هي حالة من عدم التوازن ليس على مستوى الفرد فقط، كما أوضح ذلك مثلاً من قبل عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في كتاباته في بداية القرن العشرين، ولكن أبعد من ذلك بكثير. أهمية ما يحدث الآن هي أن عدم التوازن هذا أو الاختلال في القيم يمتد إلى جماعات بأسرها ليصيب المجتمع كله بحالة من الحيرة وعدم اليقين، ولذلك فهو مجتمع تصيبه التناقضات، لأن بعض سماته تعكس القرن الحادي والعشرين، ولكن سمات أخرى وحتى بنيات ذهنية تعكس الماضي البعيد، سواء بسبب التشبث بهوية معينة أو بسبب عدم القدرة على التكيف مع الجديد. وأحد أمثلة هذا التناقض والتفاوت الاجتماعي هو على المستوى الاقتصادي حيث تتزايد الفجوة في الدخل أو في فرص ونوعية التعليم، وكيف تؤثر مثالب هذا التحول الاجتماعي- الاقتصادي وسلبياتها على الوضع السياسي؟ مع تدفق المجموعات الاجتماعية الجديدة، تزداد المشاركة السياسية بطريقة أو بأخرى، وتحتاج هذه الجماعات إلى مؤسسات سياسية لتنظيم وتقنين الجيوش الحاشدة من هؤلاء المشاركين السياسيين الجدد. فإذ كانت الأحزاب السياسية شكلية أو ورقية، والانتخابات مزيفة، ماذا تفعل هذه الحشود الطوفانية خاصة عندما تواجه مشاكل الحياة اليومية؟ تنزل إلى الشارع. النتيجة إذن ليست مشاركة سياسية منظمة وعقلانية ولكن شبه فوضى، فالطلاب يعتصمون، والعمال يضربون، والجماهير تغزو الشوارع، والأغنياء يقدمون الرشوة لتسهيل مهامهم، وبالتالي يتدهور أو يختفي القانون. ومع سيادة العشوائية الشاملة هذه، لا يجد الجيش -أي القوة الوحيدة المنظمة- من وسيلة أخرى إلا التدخل والانقلاب لكي يحاول تحقيق حد أدنى من النظام وحماية المجتمع من الاقتتال، والدولة من الانهيار. وحتى إذا لم يتدخل صراحة يصبح هو الحكم الذي يتحكم في الأمور من وراء الستار. أليس هذا الكتاب الذي نُشر قبل 45 عاماً يبدو وكأنه نُشر اليوم ليصف لنا الحال ليس في مصر فقط، ولكن أيضاً في اليمن أو ليبيا أو سوريا؟