يقال إن التخلية قبل التحلية. أي إنك تحتاج أولاً إلى تطهير المكان وتنظيفه قبل أن تبني عليه. نظف ثم ابنِ، ونحن الآن في لحظة تاريخية قد لا توفر بيئة مثالية، تساعد على اتخاذ الأول ثم الانتقال إلى الثاني، ولكن يمكننا أن نعمل على الاثنين في الآن ذاته. نطهر، ونؤسس. نسحق الضرر، وندعم النافع، ونهيئ له جواً صحياً لينمو قوياً صُلباً يسرّ الناظرين. إننا لو نظرنا إلى سنوات مضت ودرسنا حالة كل واحد من دعاة الفتنة، لأمكننا أن نستخلص درساً مفيداً يمكنه أن ينسج رؤية ثاقبة، حاضراً ومستقبلاً لتلافي أخطاء الماضي، لقد تسببت اللامبالاة، والشراكة المؤقتة، والتوظيف السياسي والتحالف الهش مع الثعابين، إضافة إلى استغلال إعجاب بعض أصحاب النفوذ أو علماء المؤسسة الدينية الرسمية، ببعض الدعاة أو الوعاظ، لحسن بيان، وطلاقة حديث، وهالة شخصية فطرية أو مصطنعة، ممزوجة بتملق ومداهنة؛ لقد تسببت هذه العوامل وغيرها في أن تبني هذه الشخصيات السياسية شبكة علاقات اجتماعية ومالية وسياسية معقدة متغلغلة في شرايين مجتمع متدين أصلاً، عرضة للتلاعب به، وأن تبني علاقات خارجية ممتدة، تتعاظم مع الوقت يستحيل تتبعها، وتشكل أزمة كبيرة وعبئاً يكلف التخلص منه الكثير، ليس أقلها سمعة البلاد، وتشويه صورتها. كل ذلك لأن شخصاً مغموراً ربما كان قدره أن يبقى مؤذناً أو إماماً في مسجد ناءٍ في أطراف المدينة، أو منشداً في الأعراس، أومأذون أنكحة، فتحت له الأبواب قبل سنوات قليلة وعلى حين غفلة أو تغافل. أثار إعجابي قبل أيام تعليق لضابط متقاعد من الجيش المصري، حينما أجاب على سؤال حول احتمال وجود انشقاقات في الجيش المصري فأجاب: «ليس عليكم أن تقلقوا، فنحن نقوم بعملية تطهير ذاتي بشكل دوري وصارم، بحيث لا يُسمح أبداً بوصول أشخاص يحملون نواة أفكار الإخوان بالوصول إلى رتب عليا ومتقدمة في الجيش المصري». وهذا قطعاً ما تفعله جيوش الدول القوية في العالم، وهذا هو بيت القصيد. التطهير الذاتي، وإجراء المسح والبحث والتقييم والمراجعة المستدامة، لتفادي صعود أشخاص يمكن أن يخونوا العقيدة العسكرية. وكذلك يمكننا أن نقول الشيء ذاته عن المثقفين ورجال الدين المؤثرين، وهو أن تتخذ دول الجزيرة العربية المعنية بخطر الإسلام السياسي، إجراءات صارمة، وعملية تطهير دورية في كل المؤسسات ذات التأثير، التعليمية، والتربوية، والإعلامية، والمؤسسة الدينية الرسمية، وكذلك الأشخاص اللامعين الأذكياء الذين تبرز فيهم صفات التأثير والقيادة منذ المرحلة الجامعية، لاقتناصهم والاستثمار فيهم، أولاً لكي تستفيد منهم الدولة ومؤسساتها، وتعود غلة ذكائهم وتأثيرهم على وطنهم، وكذلك أيضاً لتدارك تعاظم الأخطار المتوقعة والنتائج السلبية إذا ترك هؤلاء لشأنهم لكي تتخطفهم التنظيمات السرية الشريرة. هذه ليست دعوة لكي تتحول جميع مؤسسات الدولة إلى أجهزة مخابرات، ترصد أنفاس الناس، وتلتقط الشاردة والواردة، وليست تحفيزاً لنشر الوشاية بين أبناء المجتمع. إنما هذه تذكرة وعظة، للاستفادة من دروس أربعين عاماً من الشر المستطير الذي لا نزال نعاني منه، ولم نبرأ بعد من تبعاته. إنها مهمة منوطة بلجان مدعومة من القيادة مباشرة، تضطلع ليس بالتوصية بسحق الخطر في مهده، بل أيضاً بتمهيد الطريق لأبناء الوطن المخلصين لكي يغطوا جانب النقص في كل المجالات، ممن يملكون عقيدة لا تتزحزح بالإخلاص والتضحية لحماية وطنهم الأم وقيادته، بحيث يمكننا الحديث عن «النخبة المثقفة العميقة». وللحديث بقية.