الهند هي أكبر دولة ديمقراطية في العالم. ويمكن القول من دون مبالغة أنها دولة تحرص على مراعاة التقاليد الديمقراطية في كل جانب من جوانب الحياة. من الأدلة على ذلك ما حدث الشهر الحالي على سبيل المثال، عندما تدخلت المحكمة الدستورية العليا، لتأكيد حرصها على إجراء المزيد من التطهير في النظام السياسي لأكبر ديمقراطية نابضة في العالم. ففي حكم يحظى بالثناء في الوقت الراهن، ويعتبره كثيرون حكماً تاريخياً، ومعلماً بارزاً من معالم القضاء الهندي، أصدرت المحكمة العليا التي تعتبر أرفع المحاكم الهندية وأعلاها قراراً مؤداه أن الممثل النيابي المنتخب الذي سبق وأن أدين بأي جريمة، لا يمكنه الاستمرار في منصبه. واتبعت المحكمة هذا القرار، بقرار آخر مؤداه، أن أي سياسي دخل السجن سواء قبل أو بعد الإدانة، لا يمكنه ترشيح نفسه في الانتخابات. ومن المتوقع أن يكون لهذا الحكم تأثير كبير على السياسيين الهنود، وعلى المجال السياسي الهندي الذي كثيراً ما يشهد سياسيين، يخوضون الانتخابات ويفوزون بها من وراء قضبان السجون. والسبب الذي يمكّن هؤلاء السياسيين من المشاركة في الانتخابات، هو أن القضايا المحبوسين بموجبها تكون ما زالت عالقة في مرحلة الاستئناف بالمحاكم العليا. و هؤلاء السياسيون يستغلون بطء النظام القانوني الهندي، الذي تستمر القضايا منظوره أمامه في بعض الحالات لعدة عقود، قبل أن يصدر حكم نهائي فيها. من الممارسات المعروفة في الهند أن الكثير من المجرمين الكبار، يستغلون ثرواتهم في تمويل الأحزاب السياسية، انتظاراً لتحقيق منافع عندما ينجح هذا الحزب ويتولى السلطة. ويمكن القول إنه ليس هناك حزب سياسي هندي لم يحصل على تمويل بهذه الطريقة المنحرفة. فعلى سبيل المثال، تم رفع قضية ضد رئيس وزراء ولاية بيهار السابق السيد"لالو أساد ياداف"، الذي اتهم في قضية نصب تتعلق بالأعلاف تعود إلى عام 1997. وعلى الرغم من أنه قرر ترك منصبه، واستقال بالفعل كرئيس وزراء عام 1997 عندما ظهر اسمه في التحقيقات التي كانت تجريها السلطات المختصة فإنه التف على القانون من خلال جعل زوجته التي لا علاقة لها بالسياسة على الإطلاق رئيسة وزراء للولاية مكانه، واستمر هو بعد ذلك في إدارة شؤون الولاية من وراء ستار. وبعد ذلك ظل السيد "لالو" يشارك، ويكسب، أي انتخابات من الانتخابات البرلمانية التي أجريت منذ ذلك الحين وحتى الآن. والحكم الصادر من المحكمة العليا لن يطبق بأثر رجعي، وإنما سيتم تطبيقه اعتباراً من الانتخابات المقبلة ولكن من المتوقع أن يؤدي لتغيير المشهد السياسي الهندي، الذي كان الساسة المتهمون بقضايا جنائية يجدون مجالاً واسعاً للحركة فيه. ويشار في هذا السياق إلى أن هناك دراسات قامت بها جهات مستقلة مثل "اتحاد من أجل إصلاح سياسي" وجمعية "مراقبة الانتخابات الوطنية" أظهرت أنه من بين 543 عضوا من الغرفة السفلي في البرلمان الهندي هناك 162 عضوا مرفوعا عليهم قضايا جنائية، لا تزال معلقة في المحاكم. ومن بين هذا العدد هناك 14 في المئة، متهمين بتهم جنائية خطيرة. من المعروف أن الهند تطبق النظام الفيدرالي، حيث يوجد هناك مجلس تشريعي لكل ولاية. ووفقاً للأرقام المتاحة لدينا هناك 1258 مشرعا من بين 4032 مشرعا في جميع المجالس التشريعية للولايات المختلفة، متهمين بقضايا جنائية. والمجلس التشريعي في ولاية "جيهار خاند "-على سبيل المثال- يضم 74 عضواً منتخباً متهمين بقضايا جنائية، وهي أكبر نسبة من الممثلين المنتخبين المتهمين بقضايا جنائية في أي مجلس تشريعي لولاية من الولايات الهندية. بيد أن القانون الخاص بمنع السياسيين من الترشح في الانتخابات، عندما يكونون في السجن أو محتجزين في مراكز الشرطة لاتهامهم بتهمة من تلك التهم التي لا تسمح لهم بالاستمرار في المنصب، قبل صدور الحكم النهائي، هو قانون له جوانبه السلبية أيضاً. فنظراً لإدراك الأحزاب السياسية الهندية الكبرى لجسامة التغيرات التي ستحدث في النظام السياسي الهندي بعد قرار المحكمة العليا، فإنها قررت أن تعبر عن مخاوفها صراحة. من أكبر المخاوف التي تنتاب الأحزاب هو أن المنافسين السياسيين، سيجدون الفرصة سانحة أمامهم، لتقديم بلاغات كيدية لدى مراكز الشرطة ورفع قضايا في المحاكم، لمنع مشاركة السياسيين المنافسين في العملية السياسية. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مصادر حزب "المؤتمر" الهندي الحاكم، ردت على قرار المحكمة العليا الأخير بالقول إن هناك أسئلة عديدة يتعين الإجابة عليها بشأن هذا القرار قبل وضعه موضع التنفيذ. أما حزب المعارضة الرئيسي "بهاراتيا جاناتا" فقد عبر عن قلقه بالقول إن القرار قد يقود إلى وضع زعماء المعارضة وراء القضبان قبل الانتخابات، بهدف الحيلولة بينهم وبين المشاركة في السباق الانتخابي. من المقرر أن تنظر الحكومة الآن للنواحي الفنية المتعلقة بوضع القرار موضوع البحث موضع التنفيذ. في هذا السياق أشار أحد وزراء الحكومة الهندية، إلى أن هناك حالات سابقة عديدة تم فيها رفع دعاوى قضائية جنائية بسبب عداوات شخصية، ورغبة في المكايدة وإلحاق الأذى. كما أن الحزب الاشتراكي الذي يحكم أكبر ولاية هندية من حيث عدد السكان وهي ولاية "أوترابردايش" أصدر بياناً للرد على القرار يعتبر من أقوى البيانات التي صدرت حتى الآن. والجدير بالذكر بالنسبة لبرلمان هذه الولاية أنه يضم 403 مشاريع، ومن بين هذا العدد من المشرعين في المجلس التشريعي للولاية هناك 189 مشرع متهمين بارتكاب جرائم خطيرة تشمل السرقة، والقتل، والاغتصاب، والخطف والابتزاز. بعد صدور هذا الحكم ووضعه موضع التنفيذ، سيكون من الصعب للغاية على الأحزاب السياسية اختيار مرشحين متهمين بتهم جنائية من الذين يمتلكون من النفوذ والإمكانيات، ما يمكنهم من التغلب في الانتخابات على المرشحين نظيفي الذمة. وإذا تجاهلت تلك الأحزاب الحكم الصادر، وقامت بترشيح أعضاء منها في الانتخابات، فإنها تعرض نفسها لخطر فقدان المقعد الذي يشغله هذا المرشح في برلمان الولاية، ما يؤدي لانخفاض عدد المشرعين الممثلين لها. ويذكر أيضاً أن المنظمات غير الربحية قد قالت إنها ستراقب الأحزاب السياسية بدقة بالغة للتأكد من التزامها بالحكم الصادر من المحكمة الهندية العليا.