تتغير بريطانيا بسرعة. ويشكل المسلمون عاملاً أساسياً من عوامل التغيير. ففي القرن السابع عشر مثلاً كانت القهوة شراباً محرماً في بريطانيا. وكان يعتقد أن هذا الشراب هو «مؤامرة تركية للأسلمة». وأن من يشرب القهوة يصاب بـ«هلوسة» تودي به إلى اعتناق الإسلام. ولذلك واستجابة لطلب رئيس أساقفة كانتربري، أقر مجلس العموم قانوناً بتحريم التحول من المسيحية إلى الإسلام، وفرض حظراً شاملاً على تناول القهوة. أما اليوم فإن مشروب القهوة يتقدم على مشروب الشاي خاصة في الصباح. ويمكن تناول أفضل القهوة في كانتربري التي تقع على الضفة المواجهة لمبنى البرلمان في لندن حيث يقيم رئيس الأساقفة. بل إن بإمكانه الاستماع إلى أذان صلاة الصبح من إحدى قنوات التليفزيون المحلية. ومن بين المسلمين البريطانيين اليوم نصف مليون بنغالي ومليون ومائة ألف باكستاني، إضافة إلى أكثر من مليون من أصول عربية وأفريقية وآسيوية أخرى، حتى إن هناك أعضاء مسلمين في كل من مجلسي اللوردات والعموم. وتشير الدراسات الإحصائية الرسمية إلى أن نسبة البريطانيين البيض تراجعت من 88 في المائة في عام 2001، إلى 81 في المائة في عام 2011. ولم يعد المهاجرون المسلمون يتجمعون في العاصمة لندن، ولكنهم ينتشرون الآن في طول البلاد وعرضها، شأنهم في ذلك شأن المهاجرين الآخرين، كالأفارقة السود مثلاً. فقد كان 80 في المائة منهم يتجمعون في لندن، أما الآن فقد انخفضت هذه النسبة إلى 58 بالمائة فقط، وازدادت نسبة الإثنيات غير البريطانية في ضواحي العاصمة إلى 90 في المائة. ومن أسباب ذلك أن تكاليف السكن أقل مما هي عليه في لندن؛ وكذلك نسبة الجريمة. ثم إن الانتقال بالقطارات إلى مراكز العمل في لندن ميسرة ومنظمة. وإضافة إلى ذلك ارتفعت نسبة الزواج المختلط من 661 ألف حالة في عام 2001 إلى 1.2 مليون في العام الماضي. وباتت حالات الزواج المختلط أكثر شيوعاً في بريطانيا حتى من الولايات المتحدة ذاتها. وتقول هذه الدراسات أيضاً إن بريطانيا هي اليوم أقل تديناً من أي وقت مضى، إذ إن ربع السكان يقولون إنهم لا يؤمنون بأي دين. وكانت هذه النسبة لا تزيد على 15 في المائة فقط قبل عقد من الزمن. وكانت هناك مخاوف من أن تؤدي هذه المتغيرات العميقة في البيئة الاجتماعية البريطانية إما إلى الصراع أو إلى التفسخ. وبالفعل تم تشكيل حزب سياسي يميني متطرف معادٍ للغرباء وللمسلمين بصورة خاصة. ولكن ثبت أن هذه المخاوف -حتى الآن على الأقل- ليست قادرة على وقف عملية التغيير. فالدولة تشجع مؤسسات المجتمع الأهلي على استيعاب «المواطنين الجدد»، وعلى تشجيع هؤلاء المواطنين على الاندماج (وليس على الذوبان الإلغائي). وقد وضعت بالفعل برامج لاستيعاب المسلمات من بنجلاديش وباكستان تحديداً ليس فقط من خلال تعليمهن اللغة الإنجليزية، ولكن إضافة إلى ذلك من خلال تعريفهن بحقوقهن كمواطنات. وتشمل برامج التأهيل: - كيف يكون التعامل مع الطبيب. ذلك إن المرأة المسلمة لا تعرض نفسها إلى طبيب رجل سواء كان مسلماً أو غير مسلم. - كيف تتعامل مع الشرطة ومع المجالس البلدية المحلية. - كيف تستخدم وسائل النقل العام. - كيف تطالب بحقوقها كمواطن من مؤسسات الدولة بما في ذلك حقها في العمل. فالدراسات تشير إلى أن نسبة عدد العاملات المسلمات هي أقل من نصف نسبة عدد العاملات من أهل الأديان الأخرى بمن فيهن الأفريقيات. ويعود ذلك إلى أن تقاليد المرأة المسلمة المهاجرة من باكستان أو بنجلاديش أو الهند، تقتضي ألا تخرج منفردة من البيت. وألا تقود سيارة.. بل وأن تنصرف إلى إدارة الشؤون المنزلية فقط. وقد أدى ذلك إلى أن العائلة البريطانية المسلمة تعيش على دخل الرجل وحده، وهو دخل منخفض أو غير كافٍ بالنسبة لتكاليف المعيشة. فيما العائلات الأخرى تتمكن من رفع مستواها الاجتماعي بالاعتماد على دخل الزوج والزوجة معاً. وقد لعبت الحاجة دوراً أساسياً في إقناع العائلة البريطانية المسلمة المتحدرة من أصول باكستانية أو بنغالية أو هندية بفتح أبواب فرص العمل أمام الزوجة. وقد ابتكرت شرطة «سكوتلند يارد» زياً خاصاً لغطاء رأس المرأة المسلمة التي تخدم في قطاع الشرطة. وكان رئيس الأساقفة «وليماس» (الذي استقال من منصبه في الشهر الماضي) قد أثار ضجة كبيرة عندما اقترح درس إمكانية تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على المواطنين المسلمين في قضايا الزواج والطلاق والإرث. وإذا كان اقتراح «وليماس» يعكس مدى التحول في موقف كانتربري من النظرة إلى الإسلام والمسلمين، فإن رد الفعل الحاد الذي تعرض له في بعض وسائل الإعلام المحلية يعكس استمرار ثقافة الرهاب من الإسلام (الإسلاموفوبيا). فالمرأة البريطانية المسلمة التي أصبحت تبادر إلى البحث عن عمل.. تواجَه بردّ سلبي على خلفية اسمها (الإسلامي) أو حجابها الذي تتمسك به. ومع ذلك ارتفعت نسبة العاملات من أصول باكستانية من 29 في المائة في عام 2008 إلى 43 في المائة مع نهاية عام 2010. أما نسبة العاملات من أصول بريطانية بيضاء فتزيد على 68 في المائة. لا تشكو المرأة المسلمة من نقص «جيني» يحكم عليها بالتعثر في اكتساب العلوم الحديثة أو في العمل. ولكنها تشكو من موروث اجتماعي تنقله معها من أعماق التقاليد السائدة في القرية الباكستانية أو الهندية التي هاجرت منها. وتعترف وزارة التعليم البريطانية في دراسة لها عن مستويات طالبات المدارس الثانوية بلندن (بين العشرين والخمسة عشر عاماً) أن الفتاة البنغالية المسلمة -الملونة- تتقدم على نظيراتها البيضاوات. وتعترف هذه الدراسة الرسمية أيضاً بأن نسبة المهاجرين المتعلمين -من مختلف الأديان والعناصر- إلى بريطانيا هي أعلى من نسبة المهاجرين منهم إلى الدول الأوروبية الأخرى. ويشمل ذلك المسلمين أيضاً. ولذلك فإن 8.5 في المائة من هؤلاء المهاجرين المسلمين يقعون ضمن الـ10 في المائة الأغنى في بريطانيا (فيما لا تزيد نسبتهم في ألمانيا وفرنسا مثلاً على 4 في المائة، وفي إسبانيا على 2 في المائة). وفي المحصلة الأخيرة تشير هذه الدراسات الإحصائية إلى أن المسلمين البريطانيين يمارسون دوراً أساسياً في تغيير صورة بريطانيا وفي صناعة مستقبلها. فلم يعودوا ذلك البعبع المخيف الذي يجب إبعاده، بل دخلوا في مرحلة المواطن الجديد الذي يجدر استيعابه. وبإمكان أي بريطاني أو أي زائر للندن اليوم أن يطلب من أي مقهى أو مطعم في أي وقت من الليل أو النهار فنجان قهوة تركية.. دون أن يخاف على دينه أو على هويته!