تواجه العلاقات المصرية الأميركية أصعب اختبار منذ إعادتها إلى وضعها الطبيعي عام 1974، ثم توطيدها عقب معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب عام 1979. فقد فوجئت واشنطن بحجم الانتفاضة الشعبية ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسي وجماعة «الإخوان» في نهاية الشهر الماضي، بعد أن كانت قد بنت علاقة وثيقة معهما وراهنت على دورهما ليس فقط في مصر بل في مستقبل المنطقة. واشتدت المفاجأة عليها عندما أسرع الجيش، الذي تقيم معه علاقات راسخة عبر وزارة دفاعها «البنتاجون» منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى دعم الانتفاضة والنزول على إرادة أكثر من 20 مليوناً شاركوا فيها وقرر بالتوافق مع معظم القوى الوطنية ومؤسسات الدولة الرئيسية تنحية مرسي مساء يوم 3 يوليو الجاري وإطلاق مرحلة انتقالية جديدة تشمل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وأخرى برلمانية فضلاً عن تعديل الدستور الذي فرضته جماعة «الإخوان» على الشعب بدون توافق وطني. كانت الأحداث متلاحقة تقطع أنفاس من يسعى إلى ملاحقتها. كما كان إيقاعها أسرع بكثير مما حدث في الفترة من 25 يناير حين بدأت الانتفاضة السابقة إلى 11 فبراير عندما وافق «مبارك» على التخلي عن السلطة بشكل سلمي، بخلاف مرسي الذي هدد ضمنياً عشية تنحيته بحرب أهلية عندما أعلن ما يفيد معناه أن دمه فداء لـ«الشرعية». كان موقف مبارك يوم 11 فبراير 2011 عاملاً أساسياً في رفع الحرج عن إدارة أوباما فيما يتعلق بدور الجيش في الحياة السياسية. فقد جاء هذا الدور بتكليف صريح من رئيس تخلى عن السلطة، وطلب إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد. ولذلك لم تكن الإدارة ومختلف مؤسسات الدولة الأميركية في موقف يفرض عليها الإجابة على السؤال الأول الذي تواجهه في مثل هذه الحالات، وهو: هل ما حدث انقلاب عسكري أم انتقال للسلطة يدعمه الجيش؟ فالقانون الأميركي واضح، بل قاطع ضد أي انقلاب عسكري. وهو يفرض عدم التعاون مع أية دولة يحدث فيها انقلاب ووقف الدعم السياسي والمالي لها حال وجوده. ولم يكن هذا مطروحاً على الإدارة الأميركية عندما تخلى مبارك عن السلطة، رغم أن الجيش انحاز إلى الانتفاضة الشعبية ضده ثم وقع عليه عبء إدارة المرحلة الانتقالية. لكن هذا الذي لم يكن مطروحاً مساء 11 فبراير 2011 صار مُثاراً منذ مساء 3 يوليو 2013 لأن مرسي لم يقبل التخلي عن السلطة، ولأن الجيش هو الذي فرض عليه ذلك بعد اقتناعه بأن خروج أكثر من 20 مليوناً ضده في انتفاضة تاريخية لا سابقة لها يوم 30 يونيو أسقط التفويض الذي منحه له أقل من 13 مليوناً في انتخابات يونيو 2012. ورغم أن الفرق بين موقف كل من مبارك ومرسي لا يعني الشعب المصري الذي لا يتطلع إلا إلى قيادة تحقق آماله المحبطة، فهو شديد الأهمية في تشكيل موقف الولايات المتحدة. لذلك لم يتفهم كثير من المصريين خبرة السياسة الأميركية تجاه ما حدث في بلدهم، وانشغالها بالبحث فيما إذا كان يعتبر انقلاباً عسكرياً من عدمه. واعتبر بعضهم، وغير قليل من السياسيين والمثقفين معهم، أن الإدارة الأميركية ترغب في استمرار حكم مرسي لمجرد أنه يحافظ على مصالحها ويرضي إسرائيل، خاصة وأن أداء سفيرتها لدى القاهرة «آن باترسون» خلق انطباعاً بأنها تدعم هذا الحكم ضد أية معارضة له. غير أن الوضع أكثر تعقيداً من ذلك. ورغم حرص الولايات المتحدة، مثلها مثل أية دولة، على مصالحها وتعاطفها مع من يحفظ هذه المصالح، فثمة مؤثرات أخرى لا تقل أهمية على سياستها. وأهم هذه المؤثرات بشأن ما حدث في مصر هو تكييف موقف الجيش. وكان هاجس الانقلاب العسكري ملحاً على هذه الإدارة عندما ألقى قائد القوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي البيان الذي حدث اتفاق عليه بين القوى الوطنية ومؤسسات الدولة مساء 3 يوليو. فقد بدا البيت الأبيض، وغيره من مؤسسات الدولة الأميركية، في حيرة عقب ذلك البيان رغم أنه لم يتضمن أي دور للجيش في إدارة المرحلة الانتقالية الجديدة. ولعل حرص الجيش على الابتعاد عن هذه الإدارة، التي أُسندت إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا كرئيس مؤقت وحكومة مدنية انتقالية، هو ما ساعد الإدارة في واشنطن على تجنب استخدام تعبير «الانقلاب العسكري» الذي شاع في كثير من وسائل الإعلام وتقارير بعض مراكز الأبحاث الأميركية. فكان البيان الأول الصادر عن البيت الأبيض يوم 4 يوليو الجاري شديد الحذر عبر نقاطه الخمس الرئيسة، وهي أن الإدارة تراقب الموقف في مصر، وأنها تشعر بقلق شديد من قيام القوات المسلحة بـ«إزاحة الرئيس مرسي وتجميد الدستور»، وأنها -رغم ذلك- لا تدعم أفراداً أو أحزاباً بعينها، وأنها تدعو الجيش إلى التحرك بسرعة نحو إعادة المسؤولية كاملة إلى حكومة مدنية ديمقراطية منتخبة في أقرب وقت ممكن، وأنها -إلى أن يحدث ذلك- وجهت المؤسسات الأميركية المعنية بمراجعة أثر ما حدث على المساعدات المقدمة لمصر. وكانت هذه النقطة الأخيرة هي مصدر القلق الرئيسي لدى المصريين، سواء من يحرصون على العلاقات مع أميركا في حد ذاتها أو الذين يخشون تحميل قرار وقف المساعدات معنى سياسياً يدعم موقف جماعة «الإخوان» في تحركاتها الداخلية والخارجية سعياً إلى إعادة مرسى، رغم الإشارات الإيجابية نسبياً التي تضمنتها تصريحات وبيانات عدة صدرت في الأيام التالية. فلم تحسم هذه الإشارات الموقف الأميركي الذي سيظل مرتبطاً بخطوات المرحلة الانتقالية وكيفية التعامل مع الرئيس السابق وأتباعه، بغض النظر عن قرار الكونجرس بشأن المساعدات، والأرجح أن يبقى موقف البيت الأبيض حذراً وأن يواصل مراقبة الوضع في مصر، رغم إبداء الخارجية و«البنتاجون»، فضلا عن اتجاه لا بأس به في الكونجرس، تفهماً ملموساً لإرادة الشعب المصري. وكان تعليق المتحدثة باسم الخارجية الأربعاء الماضي هو الأكثر تعبيراً عن هذا التفهم عندما أشارت إلى أن الشعب المصري قال كلمته وأنها تتعامل مع الإدارة الانتقالية لفتح طريق الديمقراطية. وهكذا، فرغم أن العلاقات المصرية الأميركية تواجه اختباراً شديد الصعوبة، فقد تعاملت واشنطن حتى الآن مع التغيير الذي حدث في القاهرة بطريقة محايدة ووفقاً لمعايير موضوعية تدفع إلى الأمل في اجتياز هذا الاختبار بنجاح لمصلحة الشعبين عندما يقطع أوباما الشك باليقين ويعلن أن جيش مصر تدخل لدعم إرادة شعبية واضحة وأن ما حدث لا علاقة له بالانقلابات العسكرية.