خرج الكثير من متظاهري ميدان التحرير في يناير عام 2011 يرفعون شعارات تحمل مطالب أربعة محددة؛ هي: عيش، حرية، كرامة، عدالة اجتماعية. وهذا المطلب الأخير، أي العدالة الاجتماعية، يمكن تعريفه ببساطة على أنه غاية أو مفهوم، يسعى إلى ممارسة العدالة داخل مجتمع ما، وخصوصاً بين أفراد الطبقات والفئات المجتمعية المختلفة. ولذا يمكن النظر للمجتمع العادل على أنه المجتمع المبني على مبادئ المساواة، والتضامن، وفهم، وتثمين حقوق الإنسان بجميع أشكالها وأنواعها، والحفاظ على، وتقدير، كرامة جميع أفراده. وغني عن الذكر هنا أن هذا المفهوم الاجتماعي الفلسفي، منذ بدايات ظهوره في منتصف القرن التاسع عشر، قد حمل معاني كثيرة، حسب المكان والزمان والظروف المحيطة، بالإضافة طبعاً إلى مراد وأغراض مستخدميه. وهذا الاختلاف ما زال بننا حتى يومنا هذا، وهو ما يتضح من حقيقة أن بحثاً سريعاً في مواقع بيع الكتب على الشبكة الإلكترونية، سيظهر نتائج للآلاف من الكتب التي تحمل كلمات عدالة اجتماعية في عنوانها، ويبحث كتابها في نظريات، وقضايا، وحركات، وأساسيات وقواعد العدالة الاجتماعية. وأمام هذه التعددية في الفهم والتطبيق، سنقصر حديثنا هنا على أحد أهم جوانب العدالة الاجتماعية، والذي يلقى إجماعاً تاماً في كونه أحد أحجار الزاوية في بنائها، وهو جانب العدالة الصحية، وبمعنى أدق مدى توافر الخدمات الصحية ومستواها النوعي. حيث يعتمد تحقيق العدالة الصحية في بدايته على رفع الظلم والغبن الصحي، الذي يمكن أن يعرّف على أنه الفروق والاختلافات في الحالة الصحية، أو في توزيع المصادر والإمكانات الصحية المتاحة، بين المجموعات، والطوائف، والفئات المختلفة، بناء على الظروف الاجتماعية التي يولد، وينمو، ويعيش، ويعمل فيها الأفراد. وأفضل مثال لتوضيح هذا الظلم الصحي، هو تركيز الخدمات الصحية مرتفعة المستوى والمراكز الطبية المتقدمة في المدن الكبرى، وحرمان قرى ونجوع الريف حتى من مراكز الرعاية الصحية الأولية. وتتجلى مظاهر الغبن أو الاختلال الصحي على عدة مستويات، بين الأعراق والأجناس المختلفة داخل نفس المجتمع، وبين أحياء ومناطق المدينة الواحدة، وبين أقاليم ومحافظات الدولة الواحدة، وبين الدول مع بعضها بعضاً. فعلى صعيد الأعراق، نجد مثلاً أن الأميركيين من أصول أفريقية يمثلون 12 في المائة فقط من سكان الولايات المتحدة، إلا أن نصف الحالات الجديدة للإصابة بفيروس مرض نقص المناعة المكتسبة، أي الإيدز، يقع بين هذه المجموعة العرقية، دون أن يكون هناك سبب بيولوجي أو وراثي يفسر هذا الفارق الصحي الخطير. وبخلاف الاختلافات العرقية، وكما ذكرنا سابقاً، قد تمتد هذه الفروق الصحية لتشمل أحياء ومناطق نفس المدينة، حيث تظهر الدراسات وجود فارق في متوسط أو مؤمل العمر يزيد على 17 عاماً، بين الرجال الذين يقطنون أحد الأحياء الثرية في العاصمة البريطانية، مقارنة بأقرانهم الذين يقطنون حياً فقيراً في نفس المدينة. بل تظهر الإحصائيات، أنه مع التحرك شرقاً في لندن من خلال قطار الأنفاق ينخفض مؤمل العمر بمقدار عام مع كل محطة قطار. وعلى المنوال نفسه توجد هوة صحية فارقة بين المناطق الريفية وبين المناطق الحضرية، كما هو الحال في مصر مثلًا، التي يعتبرها كثيرون أحد أهم أسباب فقدان العدالة الاجتماعية بين سكان أكبر الدول العربية. وإن كانت أكبر الهوات الصحية تتواجد بين الدول والقارات، وخصوصاً على صعيد مؤمل العمر، ومدى انتشار الأمراض غير المعدية، ووفيات الأمهات والحوامل، ووفيات الأطفال دون سن الخامسة. ففي الدول الفقيرة، نجد أن مؤمل العمر لا يزيد على 57 عاماً، ليصل في الدول الغنية إلى أكثر من 80 عاماً، وبفارق يزيد على 23 عاماً في حياة الشخص الواحد، وأحياناً حتى بفارق مؤمل عمر قدره 40 عاماً بين بعض الدول الغنية والأخرى الفقيرة. وهذا ينطبق أيضاً على وفيات الأمهات، حيث تقع حالياً 99 في المائة من وفيات الحوامل والأمهات في الدول الفقيرة، لتتوفى مثلًا امرأة حامل من بين كل 11 في أفغانستان، مقارنة بوفاة امرأة واحدة فقط من بين كل 18 ألفاً في أيرلندا. وبوجه عام، يتحمل سكان الدول الفقيرة والنامية حالياً، 80 في المائة من العبء المرَضي الناتج عن الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والشرايين، والأمراض السرطانية، وداء السكري. وهذه الأرقام والإحصائيات والدراسات تظهر مدى فقدان العدالة الصحية، والعدالة الاجتماعية بالتبعية، بين سكان المدينة الواحدة، والبلد الواحد، وبين الدول بمقارنة بعضها مع بعض. ومما لاشك فيه أن مثل هذا الاختلال، يعتبر وقوداً للعديد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، داخل الدولة الواحدة، وبين الدول أيضاً. بل إن الظلم والغبن الصحي، يعتبر حالياً من أهم المؤشرات على مدى فداحة الظلم والغبن الاجتماعي. وهو ما يجعل سد هذه الهوة والفجوة الصحية، بين فئات وسكان البلد الواحد، وبين الدول، من أهم التدابير والإجراءات الفاعلة في تحقيق السلم الاجتماعي محلياً، وفي ترسيخ الاستقرار السياسي من المنظورين الإقليمي والدولي.